إفريقي ومغاربيالأخبارتقارير ودراسات

زيارة ماكي سال إلى داكار.. مصالحة سياسية أم بداية تحرك دبلوماسي للمنصب الأممي؟

كتب : أحمد ولد الدوه  / تحليل صحفي/  

شكلت الزيارة التي قام بها الرئيس السنغالي السابق ماكي سال إلى العاصمة داكار، ولقاؤه بالرئيس باسيرو ديوماي فاي، حدثًا بارزًا في المشهد السياسي السنغالي، ليس لأنها أول لقاء رسمي يجمع الرجلين منذ انتقال السلطة فحسب، بل لأنها جاءت في توقيت تتداخل فيه الاعتبارات الداخلية مع رهانات دبلوماسية تتجاوز حدود السنغال.

فقد حمل الاستقبال الرسمي الذي خص به الرئيس فاي سلفه رسائل سياسية واضحة، أبرزها أن الدولة السنغالية قادرة على إدارة الخلافات السياسية في إطار من الاحترام المؤسسي، وأن القضايا ذات البعد الوطني يمكن أن تفتح مساحات للتوافق حتى بين الخصوم السياسيين.

وتأتي هذه الزيارة في وقت تتزايد فيه الأنباء عن سعي ماكي سال إلى حشد الدعم لترشحه المحتمل لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وهو منصب يتطلب، قبل كل شيء، دعمًا رسميًا من الدولة التي ينتمي إليها المرشح. ومن هذا المنطلق، اكتسب اللقاء بعدًا دبلوماسيًا لا يقل أهمية عن بعده السياسي.

احمدالدوه \كاتب صحفي مدير التحرير في صحيفة الصدى
احمد ولدالدوه:مدير التحرير في صحيفة الصدى الموريتانية

وخلال الأشهر الماضية، سادت حالة من الفتور في العلاقة بين الرئيس السابق والسلطة الجديدة، في ظل الانتقادات التي وُجهت إلى فترة حكم ماكي سال، وفتح ملفات تتعلق بإدارة الشأن العام. لذلك، فإن مجرد انعقاد هذا اللقاء يعكس رغبة في الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة، دون أن يعني بالضرورة تجاوز جميع الخلافات أو الوصول إلى توافق سياسي شامل.

وفي حال قررت الحكومة السنغالية دعم ترشيح ماكي سال رسميًا، فسيُنظر إلى ذلك باعتباره تغليبًا للمصلحة الوطنية على التجاذبات السياسية الداخلية، انطلاقًا من أن وصول شخصية سنغالية إلى أعلى منصب إداري في الأمم المتحدة من شأنه أن يعزز مكانة السنغال الدبلوماسية على الساحة الدولية، بغض النظر عن الانتماءات السياسية.

غير أن الطريق إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة لا يتوقف عند دعم الدولة الأم، إذ يخضع اختيار الأمين العام لتوازنات معقدة داخل مجلس الأمن والجمعية العامة، وتؤثر فيه اعتبارات جغرافية وسياسية ودولية، إلى جانب مواقف الدول الكبرى وحق النقض الذي تتمتع به الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

كما يفتح هذا التطور بابًا للنقاش حول قدرة القارة الأفريقية على التوافق حول مرشح موحد للمناصب الدولية الكبرى. فعلى الرغم من المطالب المتكررة بتعزيز تمثيل أفريقيا في مؤسسات الحوكمة العالمية، فإن القارة كثيرًا ما تدخل هذه المنافسات بمرشحين متعددين، وهو ما يحد من فرصها في مواجهة التكتلات الإقليمية الأخرى.

ويعيد هذا الملف أيضًا طرح سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الدور الأفريقي داخل الأمم المتحدة. فالقارة، التي تضم 54 دولة وتشكل إحدى أكبر الكتل التصويتية في المنظمة الدولية، ما تزال تواجه تحديات في توحيد مواقفها خلف مرشح واحد، الأمر الذي أضعف فرصها في مناسبات عديدة.

ولا شك أن وصول شخصية أفريقية إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة سيحمل دلالات سياسية ورمزية كبيرة، وسيعكس التحولات التي يشهدها النظام الدولي، كما سيمنح القارة صوتًا أكثر حضورًا في إدارة القضايا العالمية.

ومن هذا المنظور، فإن ترشيح ماكي سال لا يمثل مجرد طموح شخصي لرئيس سابق، بل يثير تساؤلات أوسع حول قدرة السنغال على توحيد موقفها الداخلي، وقدرة أفريقيا على تنسيق مواقفها الخارجية بما يعزز حضورها داخل المؤسسات الدولية.

ويبقى لقاء داكار خطوة ذات رمزية سياسية ودبلوماسية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مستقبل هذا المسار.

فالأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى دعم رسمي لترشيح ماكي سال، وما إذا كانت الدول الأفريقية ستنجح في الالتفاف حول مرشح واحد في ظل منافسة دولية تحكمها اعتبارات تتجاوز حدود القارة.
واخيرا : قد تمثل زيارة ماكي سال بداية صفحة جديدة في العلاقات السياسية داخل السنغال، كما قد تشكل انطلاقة لتحرك دبلوماسي أوسع نحو الأمم المتحدة.

غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة داكار على بناء إجماع داخلي، وبقدرة الدول الأفريقية على تحويل طموحاتها المشتركة إلى موقف موحد يعزز حضور القارة في مؤسسات النظام الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى