لماذا تعود ازمة الوقود ؟/تحيات المهندس احمد ولد اعمر
كلما عادت طوابير السيارات أمام محطات الوقود، تكرر الحديث عن تأخر باخرة، أو إجراء إداري،
أو خلل مؤقت في التموين. وهذا تفسير مشروع في حدوده الظرفية، غير أن تكرار المشهد عبر الزمن يستدعي،
من منظور تحليلي بحت، قراءة أعمق لبنية المنظومة التي تدير هذا القطاع الحيوي، بمعزل عن أي حكم على أداء طرف بعينه.
فمن المسلمات في علم إدارة الأزمات أن الأزمة لا تُقاس بسببها المباشر، بل بمدى قدرة المنظومة على احتوائها قبل أن تتحول إلى ظاهرة عامة تمس الرأي العام. ولو تمتعت سلسلة الإمداد بمرونة أكبر، وحظي المخزون الاستراتيجي بهامش أمان أوسع، وتحسنت كفاءة التوزيع الداخلي، لبقي أي تأخير محدود في حجمه الطبيعي، دون أن ينعكس على السوق أو يعيد إنتاج مشهد الطوابير.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا حين يغيب التواصل الاستباقي مع الرأي العام، فتجد الشائعة فراغًا تملؤه، ويتحول الخوف ذاته إلى عامل مفاقم للأزمة أكثر من سببها الأصلي. فحين يخشى المواطن نفاد الوقود، يسارع إلى التزود بما يفوق حاجته الفعلية، فيقفز الطلب فجأة، ويتضخم نقص محدود ليغدو أزمة ذات أبعاد واسعة. وهذا نمط سلوكي معروف في أدبيات الاقتصاد السلوكي، وليس خاصية محلية.
ومن هذا المنطلق، فإن الأمن الطاقوي، بمفهومه الحديث، لا يقتصر على امتلاك خزانات ممتلئة، بل يمتد ليشمل امتلاك منظومة استشرافية قادرة على توقع الاختلالات قبل وقوعها، ومتابعة حركة الوقود بدقة من لحظة دخوله البلاد حتى وصوله إلى المضخة، مع توفير معلومة شفافة ومنتظمة للرأي العام في الوقت المناسب، بوصف ذلك جزءًا لا يتجزأ من إدارة الثقة العامة.
ولعل ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس مساءلة الجهود القائمة، فالدولة لا تخلو من مبادرات في هذا الاتجاه، وإنما مراكمة هذه الجهود ضمن رؤية مؤسسية شاملة تنتقل بالتدريج من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء منظومة تمنع تكرارها. فالتجارب المقارنة تُظهر أن الدول المتقدمة في هذا المجال لا تتميز بغياب الأزمات، بل بقدرتها المؤسسية على استباقها ضمن استراتيجيات طويلة المدى.
إذ نطرح هذه الملاحظة من موقع الحرص لا من موقع المزايدة، فإن السؤال الذي يستحق التأمل هو: كيف يمكن تحويل هذه المحطة الظرفية إلى فرصة لتطوير منظومة وطنية للأمن الطاقوي، تقوم على الاستقرار والاستمرارية بقدر ما تقوم على التوفر؟




