أخبار موريتانياالأخبارفعاليات

الشيخ عبد الله بن بيه : الدولة الوطنية وعاء الأمن.. والأمة أحوج إلى فقه يجمع ولا يفرق

خلال تكريمه الملكي في فعاليات المؤتمر التاسع عشر للفكر الإسلامي في الأردن..  بن بيه : دعوة إلى تغليب السلم والانضباط وتجنب التنازع واستحضار دروس الحديبية وأُحد

عمّان ـ الصدى

أكد العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه رئيس مجلس الافتاء في دولة الامارات العربية المتحدة ورئيس منتدى أبوظبي للسلم  أن الدولة الوطنية الحديثة، بكامل سيادتها وشرعيتها، تمثل الوعاء الحافظ لأمن المجتمعات والمحقق لمصالحها، داعياً إلى ترسيخ السلم، وتجنب التنازع والشقاق، وتعزيز التعاون بين الدول والمجتمعات في مواجهة التحديات المشتركة.

 

وجاءت تصريحات ابن بيّه في كلمة ألقاها خلال افتتاح المؤتمر التاسع عشر للفكر الإسلامي، المنعقد في العاصمة الأردنية عمّان، تحت عنوان «أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة»، بحضور العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والأمير غازي بن محمد، كبير مستشاري الملك للشؤون الدينية والثقافية والمبعوث الشخصي له، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، إلى جانب عدد من العلماء والمفكرين والمسؤولين.

 

تحيات إماراتية وتأكيد على التضامن مع الأردن

 

واستهل ابن بيّه كلمته بنقل تحيات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى الملك عبدالله الثاني، متمنياً له وللمملكة الأردنية الهاشمية دوام الصحة والأمن والاستقرار والازدهار.

 

وأكد أن هذه التحيات تأتي مقرونة بما وصفه بـ«مشاعر الأخوّة والتضامن»، مشيراً إلى موقف الإمارات الداعم للأردن ووقوفها إلى جانب المملكة «ملكاً وحكومة وشعباً»، ومشدداً على أن أمن الأردن من أمن الإمارات واستقراره من استقرارها.

 

كما أشاد ابن بيّه بمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، وبالدور الذي تضطلع به في خدمة الفكر الإسلامي وجمع العلماء وإحياء منهج الاعتدال والحكمة، في ظل الرعاية الهاشمية.

 

«أولويات الأمة» لا تعني توحيد السياسات

 

وفي تناوله لموضوع المؤتمر، توقف ابن بيّه عند مفهوم «الأمة» وما يحمله من تعدد في دوائر الانتماء والاجتماع، موضحاً أن الإنسان يمكن أن يجتمع مع الآخرين في دوائر متعددة، تشمل الدين والوطن والزمان، من دون أن يلغي أحدها الآخر.

 

وانطلاقاً من هذا التصور، قال إن المجتمعات الإنسانية في العصر الحديث تنتظم في إطار دول وطنية ذات سيادة، معتبراً أن الدولة الوطنية الحديثة، «بكامل سيادتها وشرعيتها»، هي الإطار الذي يحفظ أمن المجتمع ويحقق مصالحه.

 

وأكد أن لكل دولة أولويات تحددها مصالح شعبها ومواردها وظروفها وتحدياتها، مشدداً على أن الحديث عن أولويات الأمة لا يعني توحيد السياسات والبرامج بين الدول، وإنما يعني استبصار المقاصد الكبرى ومواجهة التحديات المشتركة والتعاون في المجالات التي تتكامل فيها المصالح والقدرات.

 

ويمثل هذا الطرح إحدى أبرز الأفكار السياسية والفكرية التي تضمنتها الكلمة، إذ يجمع بين الاعتراف بأهمية الروابط الإسلامية الواسعة وبين التأكيد على مركزية الدولة الوطنية وسيادتها في تنظيم حياة المجتمعات المعاصرة.

 

السلم.. «أولوية مشتركة وحاضنة لما سواها»

 

وانتقل ابن بيّه إلى ما اعتبره الأولوية الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، وهي حفظ السلم وترسيخه، معتبراً أن السلم يبدأ من استقرار الدول، ثم يتسع من خلال التعاون بينها، وأنه يشكل الأرضية التي يمكن فوقها بناء النهضة وتحقيق بقية الأولويات.

 

وقال إن لكل مرحلة «واجباً» تفرضه ضرورات الواقع ومصالح المجتمعات، داعياً أهل العلم والحكمة إلى استبانة هذا الواجب عندما تتعقد الأوضاع وتتعدد الأزمات وتتزاحم الفتن.

 

وفي هذا السياق، طرح ابن بيّه ما وصفه بـ«فقه الوقت»، رابطاً إياه بضرورة قراءة الظروف والأولويات بعيداً عن ردود الفعل التي قد تزيد الأزمات تعقيداً.

 

«الطاعة والانضباط» في أوقات الأزمات

 

وفي أكثر أجزاء الكلمة ارتباطاً بالواقع السياسي والاجتماعي، قال ابن بيّه إن أوقات الأزمات تستوجب الطاعة والانضباط واجتناب التنازع والشقاق.

 

وأوضح أن المقصود بالطاعة والانضباط هو الالتزام بما يحفظ نظام المجتمع واستقراره، فيما يهدف تجنب التنازع إلى صون وحدة المجتمع وحمايته من الفرقة والفتنة والدمار.

 

ولشرح فكرته، استحضر تجربة صلح الحديبية، معتبراً أنها تقدم نموذجاً في التعامل مع الأزمات، حيث تجلى امتثال الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في ظرفين مختلفين: في لحظة الشدة والاستعداد، ثم في لحظة قبول الصلح وما ترتب عليه من الرجوع عن دخول مكة في ذلك العام.

 

ورأى أن ما بدا في ظاهره تراجعاً انتهى، وفق القراءة القرآنية التي استند إليها، إلى «فتح مبين»، بما يبرز أهمية النظر إلى مآلات القرارات والنتائج بعيدة المدى، وعدم اختزال الأحداث في نتائجها المباشرة.

 

درس أُحد.. حين يتحول التنازع إلى كلفة

 

وفي المقابل، استحضر ابن بيّه واقعة أُحد بوصفها نموذجاً آخر على كلفة التنازع ومخالفة التوجيه، مشيراً إلى قصة الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء في مواقعهم، قبل أن يؤدي مغادرة بعضهم مواقعهم إلى تغير مجريات المعركة.

 

ومن خلال المقارنة بين الحديبية وأُحد، ركز ابن بيّه على مفهومين اعتبرهما أساسيين في إدارة الأزمات: الامتثال ووحدة الصف من جهة، وفقه المآلات وتقدير النتائج من جهة أخرى.

 

دعوة إلى خطاب يصلح ولا يفسد

 

وفي ختام كلمته، دعا العلامة ابن بيّه إلى استحضار الحاجة إلى «فقه يجمع ولا يفرق»، و«كلمة تصلح ولا تفسد»، وحكمة قادرة على «إطفاء الحريق بدل أن تزيده اشتعالاً».

 

وقال إن الأمة، بدولها ومجتمعاتها، تواجه تحديات جسيمة، لكنها تمتلك، في المقابل، رصيداً من الإيمان والطاقات البشرية والعلم والخبرة يمكن أن يساعدها على بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

وربط تحقيق هذه الغاية بتكامل أدوار القادة والعلماء والشباب، من خلال رؤية سياسية وحكمة فكرية وطاقة بشرية قادرة على تحويل المبادئ إلى مبادرات وسياسات ومؤسسات.

 

واختتم ابن بيّه كلمته بالدعاء للأردن والإمارات بالأمن والاستقرار والازدهار، مؤكداً في الوقت ذاته أن حفظ المجتمعات وصون وحدتها وحقن الدماء ينبغي أن يظل في مقدمة الأولويات.

 

خلاصة «الصدى»

 

تحمل كلمة الشيخ عبد الله ابن بيّه في المؤتمر رسالة فكرية وسياسية واضحة تقوم على التوفيق بين الانتماء الإسلامي الواسع ومركزية الدولة الوطنية الحديثة، وعلى اعتبار السلم والاستقرار شرطاً سابقاً للتنمية والنهضة.

 

كما تضع الكلمة مسؤولية التعامل مع الأزمات في إطار يتجاوز ردود الفعل الآنية، من خلال تقدير المآلات وتغليب الوحدة والانضباط والحوار، وهي مفاهيم تكتسب أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات وتوترات متداخلة.

 

وبينما يؤكد ابن بيّه على مكانة الدولة الوطنية وسيادتها، فإنه يدعو في الوقت نفسه إلى بناء تعاون أوسع بين الدول والمجتمعات، انطلاقاً من المصالح المشتركة والقدرة على مواجهة التحديات التي تتجاوز الحدود الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى