الأخبارمقالات و تحليلات

“أزواد” المحتملة وتداعياتها على الأمن القومي الليبي / رانيا عبدالسلام عثمان الصيد 

رانيا عبدالسلام عثمان الصيد

أزواد المحتملة وتداعياتها على الأمن القومي الليبي قراءة استراتيجية في ضوء متغيرات الساحل 2024–2026

الصحراء كفضاء جيوسياسي واحد

 

لم تعد التحولات المتسارعة في منطقة الساحل والصحراء شؤوناً داخلية تخص دولها وحدها، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل واسعة لخريطة النفوذ والأمن في شمال وغرب إفريقيا. وفي هذا السياق، يبرز مجدداً ملف أزواد في شمال مالي، وما يرتبط به من مطالب سياسية طارقية تتراوح بين الحكم الذاتي وإعادة صياغة العلاقة مع الدولة المالية، وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

 

فمنذ انقلاب باماكو عام 2020، وما تلاه من خروج القوات الفرنسية، وتنامي الدور الروسي، وتصاعد المواجهات المسلحة، ثم تراجع الإطار السياسي الذي مثّله اتفاق الجزائر لعام 2015، دخلت مالي، ومنطقة الساحل عموماً، مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات السيادة مع صراعات النفوذ والأمن والهوية.

 

وفي ظل هذه المتغيرات، فإن احتمال بروز كيان سياسي تحت مسمى «أزواد»، سواء بصورة مستقلة أو في إطار صيغة سياسية موسعة للحكم المحلي، يستحق من ليبيا قراءة استباقية لا تقوم على التهويل ولا على تجاهل المخاطر.

 

فالجنوب الليبي، خاصة فزان، ليس مجرد منطقة حدودية بعيدة عن مركز القرار، وإنما يمثل عمقاً استراتيجياً لليبيا، ونقطة التقاء بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. كما يشكل بوابة طبيعية نحو العمق الإفريقي.

 

ومن هنا، فإن تأثير أي تحول في أزواد على ليبيا لن يكون تلقائياً أو حتمياً، بل سيتوقف بصورة أساسية على ثلاثة عوامل: طبيعة الكيان الذي قد ينشأ، ومدى شرعيته وقبوله إقليمياً ودولياً، ومواقف الدول المحيطة، وعلى رأسها مالي والجزائر والنيجر، بالإضافة إلى قدرة الدولة الليبية نفسها على إدارة جنوبها سياسياً وأمنياً وتنموياً.

 

بين التسوية السياسية والفوضى الإقليمية

 

السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في الوصول إلى تسوية سياسية منظمة تفضي إلى صيغة للحكم المحلي في شمال مالي، مع ترتيبات أمنية واضحة وضبط للحدود، ودون تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.

 

مثل هذا السيناريو يمكن أن يفتح أمام ليبيا فرصاً، لا أن ينتج تهديدات فقط. فاستقرار شمال مالي والنيجر يمكن أن يُعيد الاعتبار للطرق التجارية التاريخية التي ربطت فزان بعمقها الإفريقي، ويمنح الجنوب الليبي فرصة للتحول من منطقة تعاني الهشاشة الأمنية إلى مركز للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.

 

وقد تكون طرق، مثل غات – كيدال – غاو وسبها – أغادير، جزءاً من تصور أوسع لإعادة بناء شبكة اقتصادية تربط ليبيا بأسواق الساحل وغرب إفريقيا.

 

لكن هذه الفرصة لا يمكن أن تتحقق بمجرد تحسن الظروف الإقليمية؛ إذ تحتاج أولاً إلى قرار ليبي واضح بإعادة بناء الجنوب على أساس سيادي وتنموي، وتحويل المعابر الحدودية من نقاط ضعيفة تستغلها شبكات التهريب إلى منافذ رسمية تعمل تحت سلطة الدولة. فالثروة الجغرافية لا تتحول إلى قوة سياسية واقتصادية إلا عندما تكون الدولة قادرة على إدارتها.

 

أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في نشوء كيان أزواد من خلال إعلان أحادي الجانب، من دون تسوية سياسية مع باماكو، بالتزامن مع استمرار المواجهات العسكرية، وتراجع قدرة الدولة المالية على فرض نفوذها الكامل في الشمال.

 

في هذه الحالة، لن تبقى تداعيات الأزمة محصورة داخل الحدود المالية، بل قد تتحول منطقة الساحل إلى حزام متصل من الهشاشة الأمنية، تمتد آثاره تدريجياً نحو دول الجوار.

 

نقلا عن : الوسط الليبية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى