الأخبارمقالات و تحليلات

حمد بن خليفة.. من “مقاعد المثقفين”  إلى دموع حمد بن جاسم.. حكاية  أمير غيّر وجه قطر.. ولم تغيّره السلطة

كتب : المدير العام رئيس التحرير / محمد عبد الرحمن المجتبى

تأخرتُ كثيرا في الكتابة عن فقيد الأمة العربية والإسلامية، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. لم يكن التأخر تقصيرا ولا قصورا ، بقدر ما كان استشعارا لرحيل رجلٍ يصعب اختزاله في سطور، ولشخصيةٍ كلما حاولتَ أن تقترب منها تمددت مساحة السمو والتسامي و الحكايات والمواقف والذكريات الجميلة. فبعض الرحيل يحتاج إلى مسافة من الصمت، وفي أحيان كثيرة يكون الصمت أبلغ من الكلام، وأصدق من المراثي.

 

 

ولأن الشيخ حمد بن خليفة رحمه الله  لم يترك بصماته في وجدان القطريين وحدهم، بل امتد أثره الطيب إلى فضاءات عربية وإسلامية واسعة، فقد وجدتُ أن الوفاء لروحه الطاهرة يقتضي أن أدوّن شهادة شخصية لا تدّعي الإحاطة بتجربة رجلٍ بحجمه، وإنما تحفظ للتاريخ لحظة إنسانية رأيتها بعيني، وتعيد إلى الذاكرة صورة أميرٍ كان قريباً من الإعلاميين والمثقفين والشعراء، مؤمناً بأن الكلمة والثقافة والإبداع جزء من قوة الأوطان.

 

وقد كان لدموع رفيق دربه، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، في مقابلة تلفزيونية بعيد رحيل “الأمير الوالد”، وقعٌ خاص في نفسي. لم تكن الدموع في تلك اللحظة مجرد حزن على رجلٍ رحل بصمت وهدوء ، بل بدت كأنها تختصر سنوات من الصحبة والوفاء وذكريات رجل وقائد عظيم عرفه وعايشه عن قرب . لحظتها شعرتُ أنه من الظلم أن تظل بعض الذكريات حبيسة الذاكرة؛ وأن الوقت قد حان لأمسك القلم، وأسطر شهادة صادقة في حق أميرٍ حظيت برؤيته عن قرب في لقاءات متعددة (قمم عربية ، فعاليات في قطر ، زياراته لموريتانيا)،فرأيته متواضعا بسيطا صديقاً  للإعلاميين، مقدرا لهم  وقريباً من المثقفين والشعراء، ويجد في مجالستهم متعةً واعتزازاً.

 

 

نعم، لقد تجاوزت بصمات الشيخ حمد بن خليفة السياسية والإنسانية والثقافية والإعلامية حدود بلاده، وبقي أثرها حاضراً في ذاكرة أجيال عربية عاصرت مرحلة شهدت فيها قطر تحولات عميقة في السياسة والإعلام والتعليم والثقافة، وأصبحت خلالها الدوحة حاضرة بقوة في المشهدين العربي والدولي.

 

 

وفي حياة الحكام هناك لحظات كثيرة تُسطّر في كتب التاريخ، لكن بعض اللحظات لا تحتاج إلى كتاب؛ تكفيها فقط صورة صغيرة، عابرة، لتقول الكثير. ولعل من أكثر الصور التي بقيت عالقة في ذاكرتي، تلك التي رأيتها ذات يوم في قاعة سينمائية بالدوحة، حين رفض أمير قطر مغادرة المثقفين والإعلاميين لمقاعدهم، و قرر لجلوس بينهم بكل اعتزاز.

 

 

حدث ذلك المشهد  قبل سنوات (2006م)في إحدى قاعات مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية في الدوحة. كنت يومها ضيفاً على المهرجان، أجلس في الصفوف الأمامية إلى جانب عدد من الإعلاميين والمخرجين والفنانين والشخصيات الصحفية الوازنة، بينهم وضاح خنفر، الذي كان آنذاك رئيساً لشبكة الجزيرة.

 

 

كان العروض قد بدأت، عندما طلب منا بعض رجال التشريفات، بأدب جم  أن ننتقل إلى الصف الثاني من المقاعد. لم يكن في الأمر ما يثير الاستغراب؛ فهمنا أن وفدا رسميا سيحضر، والمقاعد الأمامية، وفق منطق البروتوكول، ينبغي أن تكون للرسمين وهذا طبيعي تماما.

 

 

نهضنا بهدوء لننسحب للصف الثاني مباشرة كما أمرونا ،و لكن عند الباب الكبير للقاعة، دوّى صوت جهوري أوقف المشهد كله:

 

لا، لا… كل واحد يبقى في مكانه !

 

انتبهت لمصدر الصوت، فإذا بالرجل الذي دخل القاعة هو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،( أمير قطر آنذاك).

 

 

تقدم الأمير، ثم التفت إلى رجال التشريفات، مستنكراً طلبهم من الإعلاميين والمثقفين مغادرة مقاعدهم، وخاطبهم قائلا : « أنا أتشرف بالجلوس مع الإعلاميين والمثقفين، إنهم فخر لنا في قطر»  وبعد جلوسه بيننا    واصل عتابه الأبوي لرجال التشريفات قائلا : “نحن نسعى إلى تحسين صورة قطر، فلماذا تشوهونها بهذا التصرف ؟ مؤكداً أن ما يسعده هو أن يجلس بين المثقفين والإعلاميين.

 

 

رئيس تحرير “الصدى: محمد عبد الرحمن المجتبى والى جانبه مدير شبكة الجزيرة وضاح خنفر يصافح -أمير-دولة-قطر-الراحل الشيخ-حمد-بن-خليفة-آل-ثاني.
خلال فعاليات مهرجان الجزيرة الوثائقي -الدوحة 2006م

عندما قدمني له القامة الإعلامية الكبيرة وضاح خنفر صافحني بكثير من الود والتقدير متحدثا عن موريتانيا وشنقيط .. بلاد القرآن الكريم والشعر واللغة العربية الفصحى ، ثم التفت الى وضاح ممازحا أكيد الأستاذ شاعر ولكن انتم هنا تعرضون الأفلام لا الشعر وأهل موريتانيا لا يحبون سوى الشعر ..

 

 

لكن الصدفة الجميلة أن الأمير سيتابع في نفس شاشة العرض بعد دقائق فلما عن “المرأة الموريتانية” ( للأسف لا أتذكر الأسم الدقيق للفلم لكنه يعرض ولوج المرأة الموريتانية للحرف المدرة للدخل ، ويعرض صناعة “الملاحف”)  من أنتاج مخرج كندي عالمي حصد الكثير من الجوائز بما فيها جائزة مهرجان الجزيرة نفسه.

 

 

كانت تلكم لحظة بسيطة ، لكنها بالنسبة لي كانت أكثر تعبيراً عن الرجل من كثير من الخطب والصور الرسمية.

 

 

 

وعند مغادرته القاعة، اكتملت صورة  بساطة الرجل برؤيته يقود سيارته بنفسه، ويتبادل الحديث والمداعبة مع الحاضرين من قطريين وأجانب بعفوية لافتة، وكأن المسافة بين الأمير والناس قد اختفت وربما لهذا السبب بقي المشهد في الذاكرة.

 

 

فالشيخ حمد بن خليفة، الذي ارتبط اسمه بتحولات كبرى في قطر منذ توليه الحكم عام 1995 حتى تنازله عنه عام 2013، لنجله الشيخ تميم بن حمد لم يكن ينظر إلى الإعلام والثقافة باعتبارهما زينة فلكلورية لدولة غنية، بل باعتبارهما أدوات لصناعة الإنسان أولا وصناعة  الحضور والتأثير للدول ثانيا.

 

 

 

في عهده، صعدت قطر إلى واجهة المشهد الإعلامي العربي والدولي مع إطلاق قناة الجزيرة، واتسع الاستثمار في التعليم والمعرفة والثقافة والفنون، وبرزت مؤسسات ومشروعات جعلت من الدوحة مساحة مفتوحة للحوار والجامعة والكتاب والفن والشاشة.

 

 

كان المرحوم الشيخ حمد يؤمن، كما عكست مشروعات مرحلته ، بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحجر؛ وأن الدولة التي تريد أن تُسمع صوتها في العالم تحتاج إلى إعلام قوي، ومؤسسات معرفية، ومثقفين قادرين على إنتاج الأفكار، لا مجرد ترديدها، وربما كان قربه من المثقفين والإعلاميين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية.

 

 

 

لكن خلف الأمير الراحل الشيخ حمد بن خليفة الذي صنع تحولات سياسية وإعلامية واقتصادية كبيرة، كانت هناك شخصية إنسانية أخرى تتجسد في رجل يبدو مرتاحاً عندما تسقط الحواجز الرسمية، ويجد متعته في الحديث مع الناس، وعندما يقود سيارته بنفسه، ويجلس لمشاهدة فيلم إلى جوار صحفيين ومثقفين، لا أمامهم ، أو عندما يجلس وحيدا بلا مرافقات أمنية مع كبار السن في سوق “واقف” في الدوحة يسبح معهم في ذاكرة قطر ويشاركهم احتساء الشاي القطري الأصيل.

 

 

 

رحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت قطر الحديثة التي وضع حجر أساس نهضتها ورسم ملامح حضورها الفاعل والقوي والمؤثر في المشهد الإقليمي والدولي.

 

 

 

أما بالنسبة لي، فستظل صورته الأكثر صدقاً ليست تلك التي يظهر فيها في منصة رسمية أو وسط موكب ملكي ، وإنما تلك التي رأيتها بعيني في قاعة سينمائية بالدوحة: أميرٌ طلب منه البروتوكول أن يتقدم على المثقفين، فاختار أن يتراجع خطوة… ليجلس بينهم، وربما في هذه الخطوة الصغيرة تختبئ حكاية رجل أدرك أن احترام الحرف  لا يبدأ بالكلمات الصغيرة وإنما من “مقعد يترك لصاحبه”

 

 

وأخيرا لا أملك ونحن نعيش أربعينية الراحل الشيخ حمد بن خليفة طيب الله ثراه سوى  الدعاءً له بما  يليق بذكرى رجلٍ ترك أثراً يسبح في الزمان و يتجاوز المكان، سائلا المولى جل جلاله أن يجعل ما تركه من أثرٍ طيب شاهداً له، ويكرمه بكريم عفوه ويصب عليه شآبيب رحمته  ويسكنه فسيح جناته يحقق حلمه المتنامي واللا متناهي لتطور وازدهار واستقرار قطر.

 

كما أنها فرصة لتجديد العزاء والوفاء لدولة قطر الشقيقة قيادة وشعبا بقيادة الأمير الشاب الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني وإلى صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند التي ينطبق عليها القول “وزاء كل عظيم إمرأة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى