هناك وجعٌ لا تستطيع الكلمات أن تصفه، لأنها حين تقترب منه تتلعثم، وحين تحاول الإمساك به ينفلت منها دمعاً. هكذا تبدو سحر الألفي وهي تكتب أخاها الأكبر؛ لا ترثيه بالحبر وحده، بل تستخرج من أعماقها ما ظلّ مختبئاً بين أضلاع القلب، وتفتّش في الذاكرة عن وجهٍ وصوتٍ ودفءٍ لا يغيب. تبكيه بالعَبَرات، وتستعيده بالكلمات، وكأن الكتابة محاولة أخيرة لاسترداد الغائب من قبضة الفقد. وبين السطور، يتسرّب للقارئ شيء من ذلك الحزن النبيل؛ حزن الأخت التي لم تجد أمام غياب أخيها سوى أن تفتح قلبها للورق، وتترك للدمع أن يقول ما عجز اللسان عن قوله.
الصدى إذ تنشر لوعة ودموع الزميلة سحر تتقدم لها بأحر التعازي آملة لها الصبر والسلوان وللفقيد الرحمة والغفران .. وإنا لله وإنا إليه راجعون
الأخ الأكبر
هناك أشخاص يمرّون في حياتنا، وهناك أشخاص يصنعون جزءًا من حياتنا دون أن نشعر. والأخ الأكبر من هؤلاء، فكلمة «أخي» وحدها لا تكفي ، لأنه السند الذي لا نلتفت إلى وجوده لأننا اعتدنا أن نجده هناك بين كتبنا في بداية الدراسة أمام خزانة ملابسنا لتفقد ما ينقصنا مع الأم في بداية كل الأشياء، عند الطبيب لمداواتنا عند كل آذان يلاحق الصوت حتى يصل لأعتاب المسجد مهما كانت الظروف وفي البرد لم يتقاعد يوماً عن أداء صلواته الخمس بالمسجد، الأخ الأكبر يعتبر اليد التي تمتد قبل أن نطلب، والقلب الذي يعرف كيف يجبر الخاطر دون أن يُطلب منه.
من صفات الأخ الأكبر أنه خدوم، حنون، حاضر لكل من يحتاجه، يعطي من وقته وجهده وكأنه لا يملك في الدنيا أغلى من أن يخفف عن إنسان وجعه خاصة مع شقيقاته، يترك عند فراقه بداخل أشقائه جرحًا عميقًا في القلب وظلمة موحشة في أرجاء المكان، وينزع الأمان والطمأنينة من الوجدان، حتى ترى الشجر في فصل الربيع أصبح فجأة بالخريف بلا أوراق ولا رائحة ولا حتى نسمة عبير تغير من طبيعة الكون.
لعب الأخ الأكبر دوراً محوريا في حياتي ككل الفتيات التي مُنحت أخ أكبر، هو المرشد بما لديه من خبرة واطلاع وخوف ولهفة على شقيقاته، يعلّمهن القراءة والكتابة، ويفتح لهن أبواب الكتب، دون أن يدرك أن تلك الحروف الصغيرة التي يضعها أمام أعينهن كانت تبني لهن طريقًا كاملًا نحو المستقبل، علمني الحروف ولم يكن يعلم أنه يكتب أول سطر في حياتي، لم يكن يعلم أن تلك الطفلة التي جلست في مكتبته ستكبر، وتحمل قلمًا وتكتب روايات، ويصبح لها اسم على أغلفة الكتب، لم يكن يعلم أنني سأعود يومًا لأدرك أن لي في كل صفحة أكتبها شيئًا منه، لذلك حين أكتب اليوم عنه، أشعر أنني لا أكتب عنه فقط، أكتب إليه وأشتاق إليه بعد رحيله، لم أعد أنتظر رسائله المذيلة بقلوب حب حمراء معلنا عن حبه الأبدي.
كان جسدي بعيدًا حين غادر الدنيا، لكن قلبي كان هناك عند التراب الذي احتضنه، كنت أتخيلهم وهم يوارونه الثرى، وتمنيت لو أن المسافات تُطوى، لو أن الطائرة تستطيع أن تحمل القلب قبل الجسد، لو أنني أستطيع أن أصل في اللحظة الأخيرة، أن أراه مرة واحدة، أن ألمس يده، لكنني لم أصل وباتت في القلب غصة ستؤلمني ما حييت.

هناك وجعٌ لا تستطيع الكلمات أن تصفه، لأنها حين تقترب منه تتلعثم، وحين تحاول الإمساك به ينفلت منها دمعاً. هكذا تبدو سحر الألفي وهي تكتب أخاها الأكبر؛ لا ترثيه بالحبر وحده، بل تستخرج من أعماقها ما ظلّ مختبئاً بين أضلاع القلب، وتفتّش في الذاكرة عن وجهٍ وصوتٍ ودفءٍ لا يغيب. تبكيه بالعَبَرات، وتستعيده بالكلمات، وكأن الكتابة محاولة أخيرة لاسترداد الغائب من قبضة الفقد. وبين السطور، يتسرّب للقارئ شيء من ذلك الحزن النبيل؛ حزن الأخت التي لم تجد أمام غياب أخيها سوى أن تفتح قلبها للورق، وتترك للدمع أن يقول ما عجز اللسان عن قوله. 


