إفريقي ومغاربيالأخبار

بوركينافاسو بعد أربع سنوات من حكم النقيب تراوري.. بين خطاب الثورة واختبار الأمن والسيادة

النقيب إبراهيم تراوري/ رئيس بوركينافاسو

(الصدى – واكادوغو- تقارير الصدى )-  أحيت بوركينافاسو، خلال الأيام الأخيرة، الذكرى الرابعة لوصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة في 30 سبتمبر 2022، في أجواء رسمية وشعبية حملت عنوان «الثورة التقدمية الشعبية»، بينما تتواصل في البلاد تحولات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، وسط استمرار الحرب مع الجماعات المسلحة وتباين واضح في تقييم حصيلة السنوات الأربع.

وشهد شهر سبتمبر سلسلة فعاليات في العاصمة وعدد من المناطق، توجت بـ«ليلة الثورة التقدمية الشعبية» مساء 30 سبتمبر، باعتبارها مناسبة لاستعراض ما تعتبره السلطات إنجازات تحققت منذ تولي تراوري السلطة. وقالت الحكومة إن الاحتفالات تهدف إلى عرض حصيلة العمل الحكومي وتعزيز مفهوم «السيادة» الوطنية.

الموالاة: السيادة والأمن في مقدمة الحصيلة

أنصار تراوري يرون أن السنوات الأربع شكلت تحولاً في اتجاه استقلال القرار السياسي والاقتصادي، ويستندون خصوصاً إلى إعادة ترتيب علاقات البلاد الخارجية، وتعزيز التعاون مع مالي والنيجر ضمن تحالف دول الساحل (AES)، إلى جانب سياسات تستهدف تقليص الاعتماد على الشركاء الغربيين.

وفي هذا السياق، انسحبت بوركينافاسو إلى جانب مالي والنيجر رسمياً من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» في يناير 2025، وانتقلت الدول الثلاث إلى بناء أطرها الخاصة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

اقتصادياً، تقدم السلطات قطاع التعدين باعتباره أحد أبرز مجالات التحول. ففي 28 سبتمبر الماضي، افتتح تراوري أول مصفاة وطنية للذهب في البلاد، بطاقة نظرية أولية تبلغ 164 طناً سنوياً، في خطوة تقول الحكومة إنها تستهدف زيادة القيمة المضافة محلياً بدلاً من الاكتفاء بتصدير الخام.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد البوركينابي سجل نمواً حقيقياً بلغ 5.3% في 2025، مدفوعاً خصوصاً بقطاع التعدين وارتفاع أسعار الذهب، فيما تراجع متوسط التضخم إلى سالب 0.5%، وتحول الحساب الجاري من عجز في 2024 إلى فائض في 2025.

كما يبرز المؤيدون ما يعتبرونه تقدماً في مشاريع البنية التحتية والتعليم والزراعة، ويرون أن الخطاب الجديد حول السيادة الاقتصادية واستغلال الموارد الوطنية يمثل خروجاً عن نموذج اقتصادي سابق لم تستفد منه البلاد بالقدر الكافي، بحسب الرواية الرسمية.

المعارضة: أي ثمن للحرب والسيادة؟

في المقابل، تركز أصوات معارضة وحقوقية على سؤال مختلف: ما الذي دفعته البلاد مقابل هذا التحول السياسي؟

فالمشهد السياسي تغير بصورة جذرية منذ الانقلاب. ففي يناير 2026 قررت السلطات حل جميع الأحزاب السياسية، وأقرت السلطة الانتقالية لاحقاً إلغاء الإطار القانوني المنظم للأحزاب وتمويلها ووضع المعارضة السياسية. وتقول الحكومة إن الخطوة جزء من «إعادة تأسيس الدولة» وإن تعدد الأحزاب أفرز الانقسام وأضعف التماسك الوطني.

أما اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب فأعربت عن قلقها من تداعيات حل الأحزاب على حرية التنظيم والتعبير وحق المواطنين في المشاركة في إدارة الشأن العام.

ولم تتوقف الإجراءات عند الأحزاب؛ ففي أبريل 2026 أعلنت السلطات حل 118 منظمة من منظمات المجتمع المدني، وهو قرار قالت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إنه يزيد من تقييد المجال المدني. كما تحدثت المنظمتان عن ضغوط على الصحفيين والناشطين ومنظمات حقوق الإنسان.

وبذلك لم تعد المعارضة السياسية تعمل في البيئة الحزبية التقليدية، وأصبح انتقاد أداء السلطة يأتي بدرجة أكبر من شخصيات مدنية وحقوقية وإعلامية ومنظمات خارج الإطار الحزبي.

الأمن.. الاختبار الأصعب

يبقى الملف الأمني الاختبار الأكثر حساسية أمام سلطة تراوري.

فبوركينافاسو تخوض منذ سنوات مواجهة مع جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في منطقة الساحل. وتقول السلطات إن إعادة بناء القوات المسلحة وتوسيع قوات المتطوعين للدفاع عن الوطن والتعاون مع دول الساحل ساهمت في استعادة مناطق وتحسين الوضع في عدد من المناطق.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن مؤشرات العنف شهدت تحسناً مقارنة بمستويات سابقة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الوضع الأمني ما زال هشاً، وأن استمرار الهجمات يمكن أن يؤثر في الإنتاج الزراعي والتعدين والأمن الغذائي والنزوح الداخلي.

وفي المقابل، توجه منظمات حقوقية اتهامات إلى الجماعات المسلحة والقوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين. وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر في أبريل 2026 إن عمليات القتل والنزوح القسري طالت عشرات الآلاف، واتهمت أطرافاً متعددة بارتكاب انتهاكات خطيرة.

وهنا تتقاطع روايتان متعارضتان: رواية السلطة التي تضع الحرب على الجماعات المسلحة في قلب معركة استعادة الدولة، ورواية حقوقية ترى أن حماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات يجب أن تكون جزءاً من المعركة نفسها.

اقتصاد أكثر استقلالاً.. لكن الذهب في قلب المعادلة

يمنح الأداء الاقتصادي الحكومة ورقة مهمة في الدفاع عن سياساتها. فارتفاع أسعار الذهب وإصلاحات قطاع التعدين ساعدا على رفع النمو وتحسين الحسابات الخارجية. غير أن اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الذهب يخلق في الوقت ذاته نقطة ضعف أمام تقلبات الأسعار والإنتاج.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الذهب يمثل أكثر من 80% من صادرات بوركينافاسو، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات سوق الذهب، إضافة إلى المخاطر الأمنية والمناخية.

ومن هنا تأتي مصفاة الذهب الجديدة باعتبارها أكثر من مشروع صناعي؛ فهي بالنسبة للحكومة جزء من مشروع أوسع للسيادة الاقتصادية، بينما يبقى السؤال العملي حول قدرة هذه السياسة على خلق وظائف وتحويل عائدات الموارد الطبيعية إلى تحسين مستدام في حياة السكان.

من الانقلاب إلى مشروع سياسي جديد

بعد أربع سنوات، لم يعد حكم تراوري مجرد مرحلة انتقالية قصيرة أعقبت انقلاب 2022. ففي مايو 2024 أعلنت السلطة تمديد الفترة الانتقالية خمس سنوات، فيما اتجهت خلال 2026 إلى إعادة صياغة النظام السياسي وحل الأحزاب واعتماد مرجعية تنموية جديدة تحت اسم «خطة RELANCE».

وفي الوقت ذاته، رسخت بوركينافاسو موقعها ضمن منظومة دول الساحل الثلاثية، بعيداً عن «إيكواس»، وهو تحول أعاد رسم جانب مهم من علاقاتها الإقليمية.

أربع سنوات.. وحصيلة لم تُحسم بعد

تكشف الذكرى الرابعة لتولي إبراهيم تراوري السلطة عن بوركينافاسو مختلفة سياسياً واقتصادياً عن تلك التي كانت في سبتمبر 2022. فقد أصبحت السيادة السياسية والاقتصادية عنواناً مركزياً للخطاب الرسمي، وتحققت مؤشرات اقتصادية إيجابية، فيما دخلت البلاد مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي مع مالي والنيجر.

لكن في الجانب الآخر، لا يزال الأمن تحدياً أساسياً، بينما تثير إعادة تشكيل النظام السياسي وتقييد المجال المدني والإعلامي أسئلة حول مستقبل المشاركة السياسية والحقوق والحريات.

وبين الاحتفاء الرسمي بـ«الثورة التقدمية الشعبية» والانتقادات الموجهة إلى مسار الحكم، تبدو السنوات المقبلة اختباراً لمدى قدرة السلطة على تحويل شعارات السيادة وإعادة بناء الدولة إلى أمن مستدام، وتنمية أوسع، ومؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف السياسي والمجتمعي.

فبعد أربع سنوات، لم يعد السؤال في بوركينافاسو يقتصر على كيفية وصول تراوري إلى السلطة، بل أصبح مرتبطاً بما إذا كان النموذج الذي أسسه سيستطيع الجمع بين الأمن والسيادة والتنمية وإدارة التعدد السياسي في بلد لا تزال الحرب تشكل أكبر تحدياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى