هل تعيد حرب الفايروس تشكيل النظام الدولي؟ / شرين الخطيب
تخوض البشرية منذ بداية العام الحالي حربا من نوع مختلف بعيد عن الشكل التقليدي الذي اعتادت عليه في الحروب، وهي الحرب ضد فايروس كورونا المستجد “كوفيد-19”. وبغض النظر عن الأسباب التي أدت لانتشار الفايروس سواء كان حدث ذلك بشكل طبيعي عن طريق الانتقال من أنواع معينة من الخفافيش والأفاعي، أم أنه انتشر كسلاح بيولوجي لهيمنة دول على دول أخرى، والتي يعتقد البعض أن للصين دورا فيها فيما يظن آخرون أن مخابرات اسرائيلية أو أمريكية هي من اصطنعتها، لكن فان هذا بجميع الأحوال ليس هو موضوعنا.
انتشر الفايروس بدءا من مدينة “ووهان” في الصين وانتقل إلى العديد من دول العالم ليصل إلى أكثر 138 دولة، ولايزال عدد الدول التي قد يغزوها الفايروس وعدد المصابين به مرشح للازدياد، حيث وصلت أعداد المصابين لأكثر من (195000) شخص، في حين حصد المرض أرواح أكثر من (8000) شخص بحسب آخر إحصاءات لمنظمة الصحة العالمية، التي أعلنت هذا الفايروس “جائحة” أو “وباء”.
مثل هذه الأزمات لا تمس الصحة العامة فحسب، إنما لن يسلم منها أي قطاع، فهل تنذر هذه الكارثة بحدوث تحول في النظام الدولي الذي شهد تحولات عدة على مر العصور؟
عرفت العلاقات الدولية العديد من التحولات في النظام الدولي نتيجة لأحداث مفصلية، فمنذ أن كانت أوروبا مركز القوة في العالم، حيث تكونت أوروبا من مجموعة من القوى العظمى، كان النظام الدولي فيها نظاما متعدد الأقطاب بسبب كثرة التكتلات والأحلاف التي اتخذت شكل الحراك ولكنها انهارت مع بداية القرن العشرين، وهنا انقسم العالم إلى قسمين أو تحالفين رئيسيين ما مهد لقيام الحرب العالمية الأولى.
وكما يبدو فإن النظام الدولي لم يستقر كما يجب له بانتهاء الحرب العالمية الأولى، ولم يتحقق توازن القوى الذي عاشت فيه أوروبا لفترات طويلة، ما أدى لقيام الحرب العالمية الثانية بين قوات الحلفاء ودول المحور حيث قامت هذه الحرب كثورة على الديكتاتوريات التي أفرزتها الحرب الأولى.
انهار النظام الدولي مع قيام الحرب العالمية الثانية، وأدت نتائج الحرب لحدوث تحولات وتغيرات جذرية في النظام الدولي وفي صورة توزيع للقوى عالمياً، فظهر قطبان عالميان جديدان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي اللذين باتا قادرين على تقرير صورة النظام الدولي ورسم سياسة العالم والسيطرة عليه، وعرف النظام الدولي شكل ثنائية القطبية في تلك المرحلة.
استمر النظام الدولي على هذا الشكل طيلة فترة الحرب الباردة التي انعكست في العديد من المظاهر، لا سيما سباق التسلح النووي واستمرار تواجد الأحلاف العسكرية.. إلخ. وقد شهدت تلك الفترة العديد من مظاهر التقارب أحيانا والصراع أحيانا أخرى بين هذين القطبين، وكان الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي أيديولوجيا بشكل أساسي، واتخذت بعض الصراعات الشكل غير المباشر (حروب الوكالة، استخدام الوسائل الدبلوماسية، الدعاية الاقتصادية، وغيرها). وارتكز توازن القوى بين القوتين على مبدأ القدرة على التدمير بالضربة الأولى نتيجة توازن الرعب النووي.
تصدع هيكل النظام الدولي المرتكز على الثنائية القطبية، بسبب العديد من الشروخ الناتجة عن تعاظم إمكانيات بعض الدول داخل نطاق هذه التكتلات، مثل السوق الأوروبية المشتركة التي بدأت تستقل في مواجهة النزعات السلطوية للولايات المتحدة، وتمرد الصين على زعامة الاتحاد السوفيتي للمنظومة الشيوعية العالمية.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 شهد النظام الدولي شكلا آخر من أشكاله، حيث تربعت الولايات المتحدة الأمريكية على رأس الهرم الدولي معلنة تفردها بقيادة العالم، وظهر النظام أحادي القطبية.
منذ فترة ليست بالبسيطة يشهد العالم تغيرات وتحولات على مستوى القوة وتوازن القوى في العالم، حتى بات البعض يرى أن الولايات المتحدة ما عادت قائدة العالم بالرغم من استمرارية تفوقها العسكري، كونها صاحبة أعلى ميزانية تصرف على القطاع العسكري، إلا أن العامل العسكري هو واحد من بين عوامل كثيرة يمكن أن تحدد مكانة الدولة في النظام الدولي، ومن بين تلك العوامل هو العامل الاقتصادي. ولا يخفى ما وصلت له الصين -العملاق الاقتصادي-من قوة اقتصادية جعلتها تشكل خطرا على مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية حيث أصبحت منافسا قويا لها.
إن الحرب على فايروس “كورونا” الذي يغزو العالم في الوقت الحاضر يمكن اعتبارها حربا اقتصادية بالدرجة الأولى، وهي حرب بين القوتين العملاقتين الأمريكية والصينية بشكل أساسي، هذا مع عدم تجاهل امتدادها لمناطق مختلفة، وعلى الأخص الاتحاد الأوروبي وانعكاسها السلبي عليه. فقد جاءت الخسائر الاقتصادية نتيجة إيقاف الاستيراد والتصدير من الصين (أكبر مصنع في العالم)، وامتدت إلى العديد من الصناعات التي تعتمد على إنتاج الصين. وبحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) فقد تكبدت الصين خسائر بقيمة 50 مليار دولار على قطاع التصدير عالميا نتيجة “كورونا”.
كما هوت الأسهم الأمريكية في أسوأ جلسة لها منذ العام 1987، وشهدت الأسواق الأوروبية تدهوراً كبيرا بالرغم من إطلاق البنك المركزي الأوروبي برنامج قروض لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الأكثر تأثرا بهذا الوباء، وأثارت التدابير الأمريكية لمكافحة الفايروس قلق أوروبا، حيث تضاعف قلق المستثمرين الأوروبيين بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق دخولهم إلى الولايات المتحدة لمدة 30 يوما بسبب انتشار فايروس كورونا المستجد. وتراجعت أسواق آسيا، وسجلت بورصات دول الخليج خسائر في تعاملاتها بسبب تصاعد في الحرب النفطية نتيجة تراجع أسعار النفط. هذا عدا عن تراجع الدولار بعد أن أضعف ترامب ثقة السوق بخطة واضحة لمواجهة كورونا، ناهيك عن الخسائر الفادحة التي طالت قطاع السياحة في مختلف دول العالم والذي قد يؤدي إلى إفلاس العديد من الشركات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي، وما يتصل بها من خسائر تكبدتها شركات الطيران في بعض الدول التي أوقفت آلاف الرحلات بشكل كلي أو جزئي لبعض دول العالم، وقامت بتسريح اعدد من موظفيها.
حتى الآن لم تُمنى الولايات المتحدة بأية خسائر تُذكر (إذا ما قورنت بخسائر الصين)، ولا زالت تشكل أكبر قوة اقتصادية في العالم، مالم يخرج انتشار المرض عن سيطرتها. وبالمقابل يراهن البعض على قدرة الصين على تحويل خسائرها (البشرية والاقتصادية) الناتجة عن محاربة الفايروس إلى مكاسب، وأعتقد أنها قادرة على ذلك نتيجة استشعارها للتحديات الكبيرة، وإنفاقها على البحث والتطوير، وأظنها ستتوقف ولو مؤقتا عن إيجاد مكانة دولية جديدة لنفسها في حال عجزت عن ذلك. ولا زالت تلك الدول تتسابق في محاولة إيجاد اللقاح للفايروس للسيطرة على الوضع القائم من خلاله.
كما وأدت أزمة انتشار الفايروس لتحجيم طموحات بعض الدول التي سعت لان تصبح قوى إقليمية، ومنها إيران، حيث تعدت خسائرها البشرية 988 شخصا (أكثر من 40 منهم من كبار المسؤولين)، عدا عن الخسائر المادية التي تقدر بمليارات التومانات، نتيجة توقف قطاع السياحة، وغيرها من الخسائر الناتجة عن توقف الصادرات النفطية وغير النفطية. وتأتي هذه الخسائر إلى جانب العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من الجانب الأمريكي، وآخرها كان بتاريخ 21 شباط حيث أدرجت ضمن القائمة السوداء لتمويل الإرهاب وغسل الأموال.
إن اشتعال حرب فايروس “كورونا” في العالم ككل، وانعكاس ذلك على اقتصاد العملاقين الاقتصاديين، الولايات المتحدة والصين، يجعلنا نراقب بصمت من منهما سيخرج منتصرا متعافياً من هذه الحرب أولا، وهو الذي سيكون له التأثير المباشر على إعادة تشكيل النظام الدولي بما يتناسب ومصالحه. وبحسب مقابلة مع الاقتصادي الفلسطيني طلال أبو غزالة، فان الولايات المتحدة تسعى من خلال حربها الاقتصادية العالمية لإجبار الصين على الجلوس الى طاولة المفاوضات، وبحث مستقبل الاقتصاد العالمي، وضمان هيمنة الولايات المتحدة اقتصاديا مع منح دور أكبر للصين في هذا الاقتصاد، وهو ما ترفضه الصين حتى الآن، ولا توجد مؤشرات على عكس ذلك، ما ينذر بالأسوأ اقتصاديا خلال هذا العام.




