مقالات و تحليلات

من يحيي «بدر» سياسياً؟ / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

مهما تجذبنا الدنيا بزخرفها ونظن أننا قادرون عليها، أو نوّلي الأدبار خلال حركة التدافع المعاصرة، أو نغرق في أوحال الحياة وتستمر ضغوطها علينا، أو ننسى بطولاتنا، ويكون في قلوبنا غلٌّ ـ بقصد أو بدونه ـ للذين سبقونا بالإيمان، فستبقى الانتصارات التي صنعت حركة الفصل والحسم بين الحق والباطل فاصلة في تاريخنا، ومنها «غزوة بدر» التي تحل ذكراها في الـ17 من رمضان من كل عام هجري.

 

لم تغب تلك المعركة (الغزوة) لجهة التذكير في خطاب استهلاكي يُكرِّس نوعاً من التراكم يخلو من«جدّ عملي»، ويقترب من «لغو نظري»، ويغيب في «فيض روحاني بعيد» يصعب تكراره، ويُغيّب الحدث المؤمنين بصدق في «أزمنة الهزائم والفتن الراهنة».. هاهنا لا يرقى التذكير الخطابي إلى مستوى الذكرى، ليس لبعدها الزمني لأزيد من 14 قرناً فقط، ولكن لأنها غالباً ما تكون حديث الأئمّة والدعاة، أي خطاب المساجد، ولم تكن يوماً في عصرنا ـ في حدود اطلاعي ـ خطاباً للسّاسة وصناع القرار، ولست أدري ما هم فاعلون اليوم في ظل غلق المساجد!

 

بالنسبة لمرحلتنا الراهنة، نحن في أمسّ الحاجة للحديث ـ بوعي ـ عن معركة بدر الكبرى، لأنها أسست لقيمة الجهاد في شهر رمضان، ولأنها أيضاً كانت ـ وستبقى ـ مرجعية لمعارك وحروب أخرى تلتها في فترات متقطعة من تاريخنا الإسلامي، على جغرافية ممتدة، كشفت أن الانتماء الإيماني أكبر من الأجناس والأعراق والثقافات، بل إن هذه جميعها تُطوّع له إذا تمكن من قلب الإنسان ومن عقله أيضاً، وهذا غالباً ما يتناقض مع المواقف السياسية للقادة على النحو الذي نعيشه اليوم في معظم الدول ذات الغالبية المسلمة، ولا شك في أنه لا حرج على المسلمين الآخرين الذي يشكلون أقلية في دولهم، وهم اليوم يمثلون آية من آيات الله لجهة الصبر والثبات والالتزام، بل إنهم يقيمون الحجة علينا في الدنيا والآخرة.

ليخرج الحديث عن بدر هذا العام من ضيق القول بانعدام مجال التذكير إلى رحابة النصر في القلوب والعقول، وهذا دور السياسيين اليوم، حيث ضرورات المرحلة تستدعي بل تفرض ذلك.. لعلَّ مؤسسات الدول الإسلامية عبر صُناع القرار تُشكل منابر لخطاب جديد، يكسر الحاجز بين ما هو ديني وما هو سياسي، وعندها قد يمدُّ الحكام جسوراً بين المدني والديني، وذاك ما نبغي جميعاً.

المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى