قضية الحراطين بحاجة لنقاش نخبوي وطني / الشيخ معاذ سيدي عبد الله

أعتقد أن الخطاب الحقوقي الخاص بقضية لحراطين نجح في جعلها قضية وطنية يتبناهاالجميع، هذا الخطاب الذي بدأ تنظيميا مع حركة الحر وما تبعها من حركات ومنظمات تمكن بفعل عدالة قضيته من اختراق كل التابوهات والعقليات التي بدأت الْيَوْم تشعر بضرورة التعاون على حل هذا المشكل وأنه واحد من أكبر عوائق التنمية عندنا .
لكن الاختلاف الْيَوْم يكمن في آليات التعامل مع هذه القضية، وفِي تعدد المناهج وتعدد المرجعيات يكمن الشيطان ..
إن اتهام بَعضنا بعضا بالبحث عن إشعال فتيل عرقي والمزايدة عليه فيه كثير من عدم الانصاف ..
دعونا نبحث عن آلية مشتركة دون تخوين او اتهام او مزايدة ..
نعم أنا شخصيا أختلف مع الاستاذ الهيبة في طريقة كتابته الحقوقية القائمة على تقنية ( التذكير) ليس لأنني أنكر ما قاله ولكن لكونه يتضمن تحميلا – ربما عن حسن نية – للأجيال الحالية مسؤولية الحيف الذي ما زال محيقا بلحراطين وهو حيف لم يعد هناك خلاف على ضرورة رفعه.
لست ممن يتهمون أحدا في نيته، خاصة في القضايا الخلافية، وبالذات أولئك الذين أعرف صدق سرائرهم والأستاذ الهيبة أحدهم ..
نحن كموريتانيين بجميع أعراقنا نعترف بأن الحراطين تعرضوا عبر تاريخهم لمستوى مهول من الاستعباد ، قبل نشأة الدولة الوطنية بقرون، ونعرف أن هناك سياجا ثقافيا حمى تلك الممارسات الاستبعادية، وهو بحاجة لغربلة ومناقشة وفضح..
والدولة الوطنية التي نشأت في الستينات كانت امتدادا للحالة الاجتماعية التي كانت سائدة وكانت ملفات النشأة والوجود هي الاولوية بالنسبة لها ..
فهل يعقل أن نقارن بين نسبة لحراطين في مفاصل الدولة التي عمرها نصف قرن الآن بغيرهم من الأعراق وهم الذين يحاولون في بحر طقوسي هائج نفض غبار قرون عديدة من الظلم؟
هنا تكون آلية التذكير غير منصفة وربما يفهمها بعضهم على انها تحريض أو إذكاء لنزاعات عرقية معينة.
لكن السؤال : هو هل عدد الحراطين الآن في التعليم متناسب مع المدة التي بدأ فيها الوعي بقضيتهم؟
هل نحن أمام حيف ضد ولوجهم للوظائف ؟
إذا كان هناك حيف يجب ان نوجه جهودنا جميعا نحو فضحه ورفعه …
أعتقد انه لا مناص من ( تمييز إيجابي) يستفيد منه أبناء وأحفاد لحراطين ..
وهو قرار يحتاج شجاعة وتكاتفا منا جميعا لتحقيقه ..
هو نهج ينبغي أن يكون جزء من الخطاب السياسي والمجتمعي العام.. خطاب الأحزاب ومرشحي الرئاسة ..
بدون التمييز الإيجابي ولو لفترة زمنية (20 سنة او ثلاثين سنة ) أو أكثر ، سيظل هناك اختلال في تقاسم الرفاه ..
ثم العودة الى المعطى الثقافي الذي يجذر ظاهرة العبودية ومحاولة دراسته بحياد علمي والاتفاق على مصيره بالنسبة لتاريخنا المحفوظ .. هل يجب تركه شاهدا على نسق فكري وسياق ثقافي معين ، أم يجب التخلص منه نهائيا.
السياج الثقافي يتضمن ( الشعر والفن والموسيقى والاجتهادات الفقهية وغيرها من الانتاج البشري غير المقدس أو المعصوم).
ولن تتم تلك المراجعات الا في سياق تصالحي خال من سهام التخوين والاتهام …
ماهو مطلوب الآن هو بناء مستقبلنا المشترك وآلية المساواة فيه وليس الاقتصار على التذكير بالفظاعات التي عمرها قرون عديدة ومحاولة تعويضها في فترة زمنية لا تزيد على نصف قرن هو عمر الدولة الوطنية ..
سيبقى هناك اختلال في الوظائف والامتيازات ما دمنا نتجاهل دور التعليم والثقافة والفكر في القضاء على العبودية .
وملاك الأمر أن قضية الحراطين بحاجة لسياسة وطنية ونقاش نخبوي وطني تتخلص فيه النخب من كل العوائق لبستمرلوجية، ..يتخلص فيها أبناء الأسياد من عقدة السيد وأبناء لحراطين من عقدة الانتقام وتحميل معاصريهم ثقل قرون مضت ..
قضية لحراطين حققت أهم هدف وهو تدمير التابوهات التي ساهمت في استمرارها زمنا طويلا، واقناع طيف وطني كبير بعدالة القضية وضرورة حلها وتجاوزها..
فما المانع من استثمار هذا بصدق ومن أجل موريتانيا المستقبل.
نقلا عن صفحة الكاتب على الفايسبوك




