انسحاب حزب العمال الكردستاني من سنجار العراقية نصر جديد للسياسة التركية / عبدالناصر سنكي

إعلان حزب العمال الكردستانيPKK انسحابه من مدينة سنجار الواقعة في شمال غربي العراق بمحافظة نينوى يعد نصرا سياسيا لتركيا التي أعلن رئيسها قبل أيام قليلة استعداد جيشه بالقيام بعملية تطهير لسنجار من مقاتلي الحزب الانفصالي، إذا لم تقم الحكومة العراقية بذلك، ويبدو أن بغداد أدركت جدية جارتها أنقرة في وعيدها، ورغبة منها في نزع فتيل أي خلاف أو توتر محتمل بينهما قامت بالضغط على الحزب الكردي التركي الانفصالي بإخلاء المناطق التي دخلتها في سنجار أواخر عام 2014 بحجة حماية الأقلية الإيزيدية من هجمات تنظيم داعش.
وانسحاب حزب العمال الكردستاني من سنجار يعد أمرا مهما لتركيا، فسنجار تعد ممرا آمنا لمقاتلي الحزب وحليفه حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري PYD وغيرهم من مقاتلي الفصائل الكردية المسلحة بين العراق وسوريا ونقل المقاتلين والأسلحة بين البلدين، وهذا ما كانت الحكومة التركية تحذر منه دائما، لا سيما وأنها تعتقد أن جزءا من الأسلحة الثقيلة التي تعطيها الولايات المتحدة الأمريكية للفصائل المسلحة الكردية في سوريا يتم نقلها إلى مخابئ العمال الكردستاني في شمال العراق، ومن ثم استخدامها ضد تركيا.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمدت تجاهل تحفظات حليفها التركي على دعم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية السوريين بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ولم تلتزم بوعدها بسحب تلك الأسلحة الثقيلة بعد القضاء على تنظيم داعش، بل وحاولت الضحك على أنقرة، فبينما كان الساسة الأمريكان يعبرون عن تفهمهم لمخاوف تركيا، ويعدون بوقف دعم المسلحين الأكراد في سوريا بالأسلحة، كانت وزارة الدفاع الأمريكية – البنتاغون – تنزل أطنانا من الأسلحة في مناطق المسلحين الأكراد في شمال سوريا، ويلتقط ضباط الجيش الأمريكي صورا مع أولئك المسلحين.
وتأمل تركيا أن تكون الحكومة المركزية في بغداد جادة للتحرك معها ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني وإخراجهم من العراق، فهذا الحزب هو حزب تركي ومقاتلوه مواطنون أتراك، لكنهم تمردوا على الحكومة التركية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت لهم مطالب تتغير بتغير الأحوال السياسية والعسكرية في المنطقة، ويعتقد في تركيا أن أولئك المقاتلين ينفذون أجندات لدول وقوى لها مصالح ومآرب ليس في تركيا وحدها بل في المنطقة أيضا.
ومن المؤكد أن عدم الاستقرار السياسي والأمني في العراق منذ ثمانينيات القرن العشرين فتح المجال واسعا أمام حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد أوربي في خانة الإرهاب ليتحرك بكل أريحية في شمال العراق مستفيدا من وجود الأكراد العراقيين في تلك المناطق، لا سيما وأن هدفهم كان واحدا في نهاية المطاف وهي إقامة دولة كردية في منطقة كانت ولا تزال تعيش فوق صفيح ساخن.
ويبدو أن الخلاف الذي حصل العام الماضي بين حكومة إقليم كردستان العراق وصديقتها الحكومة التركية إثر إصرار الأولى على إجراء استفتاء الانفصال عن العراق على الرغم من رفض أنقرة وبغداد لذلك ، فتح الباب واسعا لعودة الود والوئام بين الحكومتين التركية والعراقية بعد قطيعة استمرت سنوات، ويمكن لهذا الخلاف التركي الكردي أن يقرب وجهتي نظر العاصمتين أنقرة وبغداد حول العديد من الملفات من أهمها ملف حزب العمال الكردستاني، والعمل معا على طرد مقاتلي الحزب من شمال العراق، ولكن يبدو أن هذه المهمة ستكون شاقة، لعدة أسباب ، لعل أبرزها وجود الحاضنة الكردية في شمال العراق للانفصاليين الأكراد الأتراك، وكذلك خطورة ووعورة المناطق التي يتواجد فيها أولئك المقاتلون، وهي جبال قنديل الواقعة في المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وإيران، وقد بنى فيها الحزب حصونا ومغارات طوال أربعة عقود مضت، وتدمير تلك الحصون والمغارات وإجبار المتمردين الأكراد على تركها يحتاج إلى عمليات عسكرية واسعة تشارك فيها الدول المتضررة من وجود حزب العمال الكردستاني في تلك المناطق وهي تركيا والعراق وإيران.




