الأخبارمقالات و تحليلات

 أين المشروع العربي من ثلاثة مشاريع غريبة ؟ / كتب : ا.د كريم فرمان 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

المصدر : الكاتب /

خلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أوضاعا معقدة غاية التعقيد، ورؤى مشوشة.

ونحن ، مدركين بأن مجريات الحرب الدائرة ونتائجها، قد تحدد مستقبلنا ومستقبل المنطقة كلها.

إننا جميعاً نرى مدى تصاعد حدة التنافس الدولي في منطقتنا، بين القوى الاقتصادية والعسكرية الكبرى في العالم، ونرى في الوقت نفسه تصاعد التنافس الإقليمي بين القوى الإقليمية، القادرة على خوضه. وكلها قوى غير عربية، تتنافس على حساب مشروعنا العربي الغائب ووطننا العربي المجزأ.

 

ففي وطننا العربي تتنافس ثلاثة مشاريع إقليمية هي :

المشروع الصهيوني الاستيطاني

والمشروع الإيراني

والمشروع التركي

مع غياب كلي للمشروع العربي، الذي أخذ يتراجع بدءاً بنكسة حزيران ، في عام 1967م، ثم لحقت بالمشروع ضربة لم يفق منها حتى الآن، باحتلال العراق وتدميره في عام 2003م، وإنهاء تجربته النهضوية الرائدة، التي أضعفتها الحرب العراقية _ الإيرانية (1980م _ 1988م)، وأنهاها الغزو العراقي للكويت (1990م)، الذي تذرعت به الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، لغزو العراق وتدمير جيشه وقدراته وتجربته النهضوية، وفرض حصار خانق عليه، براً وبحراً وجواً، على مدى ثلاثة عشر عاماً، وصولاً إلى غزوه للمرة الثانية (2003م) واحتلاله وتدمير دولته وتمزيق مجتمعه وأرضه وتسليمه لإيران على طبق من ذهب بحسب قول الامير الراحل سعود الفيصل ، بذرائع وأكاذيب مفبركة، كُشفت فيما بعد. ولكن دون أي مساءلة لمرتكبيها.

ويتميز المشروع الصهيوني الاستيطاني عن المشروعين الإيراني والتركي، بأنه مشروع غريب على المنطقة، يمثل مصالح الصهيونية العالمية، المتشابكة مع المصالح الاستعمارية الغربية، ويتسلح بأساطير وأوهام دينية، يستمد منها مشروعيته ويبرر بها مطامعه التوسعية في الأرض العربية، انطلاقاً من الأرض الفلسطينية التي اغتصبها في عام 1948م، بدعم من الدولة الاستعمارية الراعية له في ذلك الحين (بريطانيا العظمى)،

ويوشك  أن يُكملوا اغتصابهم لما تبقى منها، بدعم كامل من الاستعمار الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، الحريصة على بقاء هذا الكيان رأس جسر للمصالح والمطامع الاستعمارية الغربية، في قلب الوطن العربي.

ولذا فإن الصراع مع المشروع الصهيوني هو في حقيقته صراع وجودي ولن ينحل بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة إلى جانبه. فقيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانبه يزداد استحالة كل يوم. ليس لأن الفلسطينيين يرفضونها، فقد قبلتها السلطة الفلسطينية وأعطت من التنازلات ما لا يمكن أن تعطيها حركة تحرر وطني في العالم لعدو يحتل وطنها، بل لأن الصهاينة يرفضونها، ويقوضون يومياً أي مقومات يمكن أن تساعد على قيامها.

أما المشروع الإيراني فهو مشروع ليس غريباً عن المنطقة، يتسم بالرغبة في توسيع النفوذ والهيمنة منطلقا من اوهام إمبراطورية فارسية تقوم بالتبشير المذهبي، الذي من شأنه أن يحدث انقساماً مذهبياً في المجتمع العربي، يضعف الأمة العربية، وينهي مشروعها الوحدوي، الذي لا يمكن أن تنهض بدونه. وقد امتزج الطموح السياسي في المشروع الإيراني بالتبشير المذهبي، امتزاجاً يصعب تبين الحدود بينهما.

وأما المشروع التركي، الذي تمثله الحكومة التركية الحالية وحزبها المنتمي إلى حركة الإخوان المسلمين، فهو مشروع ليس غريباً عن المنطقة أيضاً، وينطوي، كما يبدو، على قدر من الحنين إلى ماضي الامبراطورية العثمانية، وينظر إلى الوطن العربي، وفي مقدمته العراق وسوريا، على أنه يشكل المجال الحيوي للدولة التركية.

وكلا المشروعين، الإيراني والتركي، يتنافسان على حساب المشروع العربي الغائب، وقد يصطدمان مستقبلاً. وكلاهما لا يتقبلان فكرة الوحدة العربية والوطن العربي الواحد، ويتجاهلان وجود الأمة العربية، في إعلامهما وأدبياتهما.

ويتميز المشروع الإيراني عن المشروع التركي في أنه يصطدم بالمشروع الصهيوني اصطداماً مباشراً، على مستوى الدعاية والإعلام، وعلى مستوى الدعم العملي لمكونات عربية مقاومة للوجود الصهيوني في فلسطين، تدريباً وتأهيلاً وتنظيماً وتسليحاً وتمويلاً. ويصطدم معه مؤخراً اصطداماً مباشراً عبر الحرب العدوانية، التي يشنها الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة الأمريكية على الدولة الإيرانية.

في حين أن المشروع التركي يبدو مشروعاً أقرب إلى مهادنة المشروع الصهيوني. فلا يمانع في إقامة علاقات معه في مجالات معينة، ولا يدعم حركة المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، دعماً عملياً كما تفعل إيران، بل يكتفي بالدعم الإعلامي والسياسي، رغم أنه وحماس ينتميان إلى نفس المرجعية الفكرية الإسلامية (حركة الإخوان المسلمين). ولعل مهادنته للمشروع الصهيوني وعدم تقديم الدعم العملي الملموس لحركة المقاومة الفلسطينية، يرجعان إلى علاقة تركيا بأوربا وعضويتها في حلف الناتو، المؤيد للكيان الصهيوني.


وهو أمر يجعلها حريصة على إبقاء مسافة واضحة بينها وبين حركة المقاومة الفلسطينية، التي يعتبرها حلف الناتو حركة إرهابية، لا حركة تحرر وطني.


وفي حين لا تجمعنا أي قواسم مشتركة بالمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، الذي يغتصب الأرض ويتمدد فيها ويبيد شعبها ويشرده، ليُحِلَّ محله مستوطنين غرباء، قادمين من مختلف بقاع العالم ومن مختلف الجنسيات، ويطمع بتوسيع مناطق احتلاله على حساب الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة، ولا سيما سوريا ولبنان والأردن والعراق والمملكة العربية السعودية ومصر، في سياق مشروع دولته التوراتية، الممتدة من النيل إلى الفرات، في حين لا تجمعنا قواسم مشتركة بهذا المشروع الصهيوني، تجمعنا قواسم مشتركة بإيران وتركيا، مستمدة من التاريخ المشترك والجوار الجغرافي، الذي لا يمكن تجاهله. مما يحتم علينا وعليهم، صياغة علاقات بيننا وبينهم تراعي كل الاعتبارات التاريخية والجغرافية والمصالح المشتركة، وتخلق مناخاً جديداً يسوده الاحترام المتبادل والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، والتخلي من قبلهما عن الطموحات التوسعية على حسابنا، والاصطفاف معاً، نحن وإياهم، في وجه المطامع الاستعمارية الغربية وفي وجه الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة، الذي يشكل خطراً وجودياً على المنطقة كلها.


ضمن هذا السياق العام وفي إطار هذه اللوحة الإجمالية، يمكننا أن نحدد موقفنا من الحرب العدوانية التي يشنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية على ايران، منطلقين من إدراكنا بأن هزيمة إيران مع تمني الكثير وقوعها بسبب سياسات نظام الولي الفقيه المدمرة لكنها في النتيجة تعني تغول العدو الرئيسي (الكيان الصهيوني)، وخلو الساحة من أي قوة قادرة على صده حتى لو تجاهلنا ان ايران وسياساتهافي اسقاط اربعة عواصم عربية وصناعة اذرع مسلحةتدين بالولاء لها وتزعزع الاستقرار.


نختلف مع إيران في مشروعها التوسعي المذهبي، لما يسببه من انقسام في مجتمعنا العربي، ولما يشكله من تحد لمشروعنا الوحدوي العربي النهضوي. ولكن اختلافنا هذا لا يمكن أن يمنعنا من التفكير في حرب قد تحدد مآلاتها مستقبل المنطقة إلى أمد بعيد عدواً يحاول أن يفعل بإيران ما سبق أن فعله في العراق، رغم أن إيران في حينها كانت حليفة لهذا العدو. وهو ما لم يستطع كثيرون منا نسيانه حتى الآن، وما زال له تأثيره في الموقف من إيران ومن الحرب العدوانية التي تُشن عليها، رغم تغير الظروف وتغير المواقف. أما المشاريع المتنافسة فلن تتغير في جوهرها، إلا بحضور المشروع العربي، حضوراً قوياً، يجبر المتنافسين على أن يخوضوا منافساتهم بعيداً عنا من خلال صحوة عربية ومراجعة سياسية شاملة تشترك فيها الحكومات العربية الفاعلة والقوى السياسية والفعاليات المجتمعية لأجل إعادة بناء الثقة بين الحكومات والشعوب وارساء دعائم مشروع عربي تقوم على ركائز الروابط القومية والدين الاسلامي والمصير المشترك والحرص على مستقبل الاجيال العربية القادمة.


نحن نمتلك القدرات والثروات واجيال متسلحة بالعلم والمعرفة كل شروط النجاح وما يجمعنا اكثر مما يفرقنا ولكن كما قال طيب الذكر المتنبي
ولم أرى في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى