في رحيل ببكر ولد مسعود: ذكرى رجل نذر حياته لمعركة الحرية/ أحمد محمد حماده
برحيل ببكر ولد مسعود شعرت، كما شعر كثيرون، بأن صفحة مهمة من صفحات النضال الحقوقي في موريتانيا قد طُويت. فقد كان الرجل، بالنسبة لي ولجيل كامل من المهتمين بالشأن الحقوقي، أحد الوجوه التي جسدت معنى الالتزام الهادئ والثابت بقضايا الكرامة الإنسانية. لم يكن صوته الأعلى صخبًا في الساحة، لكنه كان من أكثرها ثباتًا ووضوحًا في الدفاع عن قضية العبودية ومخلفاتها.
وُلد ولد مسعود سنة 1945 تقريبًا في مدينة روصو جنوب موريتانيا، ونشأ في بيئة تأثرت بواقع العبودية ومخلفاتها، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في وعيه المبكر. تلقى تعليمه الأولي في روصو قبل أن يواصل دراسته العليا في الخارج، حيث درس الهندسة المعمارية في باماكو ثم تابع تكوينه في موسكو. وبعد عودته إلى موريتانيا عمل مهندسًا معماريًا، قبل أن يقوده وعيه الاجتماعي والإنساني إلى الانخراط في العمل الحقوقي.
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي أسس منظمة SOS Esclaves، التي أصبحت مع مرور السنوات إحدى أبرز الهيئات المدنية المدافعة عن ضحايا العبودية. ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسمه بهذه القضية، وأصبح حضوره في النقاش الحقوقي مرتبطًا بالدعوة إلى الاعتراف بالمشكلة والعمل على معالجتها بوسائل قانونية ومجتمعية.
ولم تكن طريقه في هذا المسار سهلة. فقد دفع ثمن مواقفه أكثر من مرة، وكان من بين أبرز تلك المحطات فصله من منصبه مديرًا لشركة SOCGIM بسبب مواقفه العلنية في الدفاع عن ضحايا العبودية ومخلفاتها. وقد رأى كثيرون في ذلك القرار آنذاك ثمنًا لمواقفه الصريحة، ودليلًا على حساسية القضية التي اختار أن يجعلها محور نضاله.
ومع ما اعترض طريقه من صعوبات ومطبات، ظل الرجل ثابتًا على المبادئ التي آمن بها منذ بداية مسيرته. فقد واجه ضغوطًا ومضايقات، لكنه لم يتخلَّ عن قناعاته، ولم يغيّر من خطه. كان يؤمن بأن الدفاع عن الكرامة الإنسانية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو التزام أخلاقي يحتاج إلى صبر وثبات وطول نفس.
ومن بين اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتي أنني تعرّفت على ولد مسعود خلال أحد الملتقيات الحقوقية، حين كنت عضوًا في المكتب الجهوي لـ الجمعية الموريتانية لحقوق الإنسان على مستوى داخلت نواذيبو، وكانت الجمعية حينها برئاسة المناضلة الحقوقية الكبيرة فاتمتا أمباي. يومها لفت انتباهي تواضعه وهدوءه، إلى جانب وضوحه في الدفاع عن القضايا التي آمن بها. كان يتحدث بهدوء، لكن كلماته كانت تحمل تجربة طويلة وإيمانًا عميقًا بعدالة القضية التي نذر لها جزءًا كبيرًا من حياته.
لقد كان أسلوبه في النضال قائمًا على العمل الحقوقي الهادئ والمؤسساتي، وعلى التوثيق والترافع وإثارة الانتباه الوطني والدولي إلى قضية العبودية ومخلفاتها. وبمرور السنوات أصبح اسمه أحد الأسماء المرجعية في هذا المجال، كما نال تقديرًا دوليًا تُوّج بحصوله على جائزة حقوق الإنسان للجمهورية الفرنسية سنة 2010.
اليوم، ونحن نودع هذا الرجل، أشعر بأن موريتانيا فقدت أحد أصواتها المدنية التي ساهمت في إبقاء قضية الكرامة الإنسانية حاضرة في النقاش الوطني. قد يختلف الناس في تقييم التجارب، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الرجل عاش مخلصًا للقضية التي آمن بها، ودفع في سبيلها جزءًا من راحته ومسيرته المهنية.
وبرحيله لا يبقى سوى الأثر الذي تركه في الوعي العام، والطريق الذي فتحه أمام أجيال جديدة من المدافعين عن الحقوق.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيد ببكر

كاتب ومحلل سياسي
ولد مسعود بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه من جهد وعطاء في سبيل الدفاع عن الكرامة الإنسانية. فقد عاش حياته مؤمنًا بقضية عادلة، وباذلًا من أجلها الكثير من وقته وجهده، تاركًا وراءه أثرًا سيظل حاضرًا في ذاكرة العمل الحقوقي في موريتانيا. نسأل الله أن يغفر له، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.




