العبودية بين التأصيل الشرعي والإصلاح الاجتماعي: قراءة في مداخلة الشيخ الحاج المشري / أحمد ولد الدوه الشنقيطي

في مداخلة علمية رصينة، قدّم الشيخ الجليل الحاج المشري طرحًا متوازنًا لقضية العبودية، وذلك خلال افتتاح ملتقى تعظيم ذكرى المصطفى ﷺ، المنظم من طرف تجمع محاظر معطى مولانا في الرياض. وقد عالج الشيخ هذه القضية الحساسة من زاويتين متكاملتين: التأصيل الشرعي، والتحليل الاجتماعي الواقعي.
استهل الشيخ مداخلته بالتأكيد على أن العبودية ظاهرة إنسانية قديمة، سبقت ظهور الإسلام، وكانت راسخة في مختلف الحضارات. غير أن الإسلام تعامل معها بمنهج إصلاحي تدريجي، حيث فتح أبواب التحرير، ورغّب في العتق، وربط الكرامة الإنسانية بالتقوى، لا باللون أو النسب أو الوضع الاجتماعي، مصداقًا لقوله تعالى: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
وفي تناوله لوضعية فئة “لحراطين”، شدد الشيخ على ضرورة مقاربة هذه القضية بروح علمية بعيدة عن التوظيف السياسي أو الخطابات المتشنجة، مؤكدًا أن الإسلام وضع أسسًا صلبة لإزالة الفوارق الاجتماعية القائمة على الاسترقاق، من خلال منظومة أخلاقية وتشريعية قائمة على العدل والمساواة.
وانتقل الشيخ إلى تشخيص الواقع المحلي، مبرزًا أن بقايا هذه الظاهرة لا يمكن تجاوزها بمجرد الخطاب، بل تتطلب معالجة جذرية ومتدرجة، تعالج أبعادها الاجتماعية والاقتصادية. وأشار إلى أن التحدي الأكبر يكمن في تفكيك البُنى الاجتماعية الموروثة، التي لا تزال تؤثر في بعض العلاقات داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، طرح الشيخ رؤية إصلاحية محورها التعليم والعلم، باعتبارهما الأداة الأنجع لتمكين الأفراد، وبناء وعي مجتمعي جديد قائم على قيم العدالة وتكافؤ الفرص. فالعلم – كما أكد – كفيل بإذابة الفوارق، وفتح آفاق الاندماج والارتقاء أمام الأجيال الصاعدة.
واختتم الشيخ مداخلته بالتأكيد على أن معالجة هذه القضية تتطلب تضافر جهود العلماء، والمجتمع، والدولة، ضمن رؤية شاملة تُعلي من قيم الإسلام السمحة، وترسّخ مبدأ الكرامة الإنسانية للجميع دون تمييز، امتثالًا لقوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”.
تعكس هذه المداخلة مقاربة هادئة وعميقة، تجمع بين التأصيل الشرعي والوعي بمتطلبات الواقع، وتؤسس لرؤية إصلاحية متدرجة تسهم في تجاوز آثار الماضي، وبناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا.




