الأخبارتقارير ودراسات

مصنع التمور في موريتانيا… طموح الاكتفاء الذاتي يصطدم بإشكالات التسيير وضعف التنافسية/اعداد احمد ولد الدوه

يُعدّ “مصنع التمور”- اوشركة تمور موريتانيا- في موريتانيا من المشاريع التي رُوّج لها، عند إطلاقها، باعتبارها خطوة استراتيجية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال تثمين التمور المحلية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فضلًا عن خلق فرص عمل وتنشيط الاقتصاد الزراعي في المناطق الواحاتية.
غير أن واقع هذا المشروع يطرح اليوم جملة من التساؤلات حول مدى تحقيقه للأهداف التي أُنشئ من أجلها، خاصة في ظل استمرار هيمنة التمور المستوردة، خصوصًا من الجزائر وتونس، على السوق المحلي، بفضل جودتها العالية وتطور أساليب تعبئتها وتسويقها، مقابل حضور محدود للمنتج الوطني.
بين الطموح والواقع
كان الهدف الأساسي من إنشاء المصنع يتمثل في تثمين الإنتاج المحلي، وبناء سلسلة قيمة مضافة للتمور الموريتانية، بما يسمح بتحويلها من منتج تقليدي محدود الاستهلاك إلى منتج قابل للتسويق والتصدير. كما عُوّل عليه في دعم المزارعين وتشجيع الاستثمار في قطاع النخيل.

لكن، وبعد سنوات من التشغيل، يرى كثير من المتابعين أن المشروع لم يحقق التحول النوعي المنشود، سواء على مستوى تحسين الإنتاج، أو تطوير آليات التوزيع، أو تعزيز القدرة التنافسية للتمور الوطنية في الأسواق.
إشكالات التسيير وضعف التخطيط
تواجه تجربة المصنع تحديات متعددة، أبرزها ما يرتبط بسوء التسيير وغياب رؤية استراتيجية واضحة. وقد انعكس ذلك في ضعف سلاسل التوريد، وقلة الاستثمار في معايير الجودة، والتعبئة الحديثة، والتسويق الاحترافي.
وفي ظل هذه الاختلالات، ظل المنتج المحلي عاجزًا عن منافسة التمور المستوردة، التي تستفيد من خبرات متراكمة واستثمارات كبيرة في مجالات التصنيع والترويج.
كما يُطرح تساؤل جوهري حول كيفية تسيير الموارد المالية والبشرية التي رُصدت للمشروع، ومدى نجاعتها في تحقيق أثر اقتصادي ملموس.
التشغيل واليد العاملة الوطنية
من بين الأهداف المعلنة للمصنع توفير فرص عمل للشباب وتعزيز تشغيل اليد العاملة الوطنية. غير أن حجم التشغيل الفعلي يظل محل نقاش، حيث يرى مراقبون أن الوظائف التي وفرها المشروع محدودة مقارنة بحجم الاستثمار، كما أنها لم تتحول إلى فرص مستدامة ذات أثر واسع في المناطق الزراعية المستهدفة.
شركة تمور موريتانيا: بين الدور المنتظر والتحديات
تُشرف “شركة تمور موريتانيا” على هذا المشروع، وقد أُنشئت بهدف تنظيم القطاع وتطويره، ودعم المنتجين، ورفع جودة التمور الوطنية. غير أن أداءها، بحسب بعض المتابعين، لم يرقَ بعد إلى مستوى التحديات المطروحة، خاصة في ظل غياب استراتيجية واضحة لتطوير سلسلة الإنتاج من المزرعة إلى السوق.
كما تعاني الشركة من ضعف التنسيق مع الفاعلين في القطاع، ومن محدودية الانفتاح على التجارب الإقليمية الناجحة في مجال تثمين التمور.
غياب الكوادر المتخصصة وتهميش الخبرات
من أبرز الإشكالات التي تواجه القطاع عمومًا، والمصنع على وجه الخصوص، نقص الكوادر المتخصصة في مجالات زراعة النخيل، وتصنيع التمور، والتسويق الزراعي. ورغم وجود بعض الكفاءات الوطنية المؤهلة، فإنها – بحسب آراء متطابقة – لا تحظى بالاستشارة الكافية ولا يتم إشراكها بشكل فعّال في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
هذا التهميش للخبرات ينعكس سلبًا على جودة المخرجات، ويُفقد المشروع فرصة الاستفادة من المعرفة المحلية التي يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا.
أين ذهبت الموارد؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطًا بمصير الموارد المالية والإدارية التي وُجهت لهذا المشروع، ومدى انعكاسها على الواقع. فغياب الشفافية والتقارير التفصيلية حول الأداء يزيد من الغموض، ويُضعف الثقة في جدوى الاستثمار.
خلاصة
بين طموح الاكتفاء الذاتي وواقع التحديات، يبدو أن “مصنع التمور” في موريتانيا ما يزال بحاجة إلى مراجعة شاملة لمساره. فنجاحه لا يتوقف على توفر البنية التحتية فقط، بل يتطلب إدارة فعالة، ورؤية تسويقية واضحة، واستثمارًا جادًا في الجودة، إلى جانب إشراك الكفاءات الوطنية.
وفي غياب هذه المقومات، يظل السؤال مطروحًا: هل كان المشروع خطوة تنموية واعدة لم تكتمل شروط نجاحها، أم تجربة أخرى تحتاج إلى تصحيح المسار قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى