الأكاديمي العراقي البارز برفسور د. كريم فرمان يكتب : الشيخ عبد الله المبارك الصباح: معمار الكويت الحديثة ورمز العروبة
في الذكرى السنوية 15 يونيو لرحيل الفارس الكبير الشيخ عبدالله المبارك..
المصدر : الكاتب /
تمرّ في مسيرة الأوطان قامات تاريخية لا تفارق الذاكرة، رجالٌ وهبوا حياتهم لبناء لبناتها الأولى ورسم ملامح مستقبلها. وفي تاريخ دولة الكويت، يسطع اسم المغفور له الشيخ عبد الله المبارك الصباح، نائب الحاكم الأسبق، كواحد من أبرز الآباء المؤسسين الذين قادوا سفينة النهضة والإدارة، ورسخوا مواقف قومية عروبية ستظل محفورة في وجدان الأمة. ولعل أصدق من عبّر عن هذا الإرث العظيم هي رفيقة دربه وشريكة عمره، الشاعرة الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح، التي اختصرت مسيرته بكلمات تنبض بالوفاء والفخر. الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح في قصيدتها “آخر السيوف”، مشيدةً بدوره القومي ومكانته الراسخة في تاريخ الكويت عبر أبيات مؤثرة تصفه كفارس أصيل.
مهندس الأمن والإدارة والتأسيس
لم يكن الشيخ عبد الله المبارك مجرد مسؤول في الدولة، بل كان رجل دولة من طراز رفيع صاغ بحنكته ورؤيته الثاقبة ركائز الأمن والإدارة الحديثة في الكويت:
* تأسيس المنظومة الأمنية: تولى قيادة دائرة الأمن العام، وبفضله تحولت من نظام تقليدي إلى جهاز أمني حديث ومنظم يحفظ استقرار البلاد.
* بناء الجيش الكويتي: يُعد المؤسس الفعلي للقوات المسلحة الكويتية، حيث عمل على تطوير الجيش وتدريبه وتزويده بأحدث المعدات لحماية مقدرات الوطن.
* إطلاق الطيران المدني: قاد الطفرة التنموية في قطاع النقل بتأسيس نادي الطيران الكويتي والدائرة التي وضعت الكويت على خارطة الملاحة الجوية العالمية.
وتصف الدكتورة سعاد الصباح هذا الدور القيادي والتاريخي في كتابها التوثيقي عنه قائلة:
“إن جودة القيادة تصنع الفارق، خاصة في أوقات الاضطرابات وعدم اليقين. لقد حاول الشيخ عبد الله المبارك التعامل مع التغييرات المتسارعة التي اجتاحت الكويت في جميع مناحي الحياة؛ ففي أوقات كان هو من يبادر بالتغيير، وفي أوقات أخرى كان يقود الكويت وشعبها إلى بر الأمان”.
مواقف عروبية وقومية أصيلة
تجاوزت رؤية الشيخ عبد الله المبارك حدود الجغرافيا الكويتية، لتنبض بقلب قومي نابض بالهمّ العربي:
* نصرة القضايا العربية: كانت مواقفه واضحة وحاسمة في دعم الثورات وحركات التحرر العربية، لاسيما القضية الفلسطينية ودعم مصر في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956.
* العمق العربي: آمن بأن قوة الكويت وازدهارها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمحيطها العربي، ففتح الأبواب للتعاون والتكامل مع الأشقاء العرب في مجالات الإدارة والتعليم والدفاع.
بيت الثقافة والفكر وبناء الإنسان
إلى جانب إرثه السياسي والعسكري، امتد أثر الشيخ عبد الله المبارك عبر أسرته الكريمة التي واصلت حمل مشاعل التنوير والوفاء:
* الشريكة والملهمة: ارتبط بالشاعرة الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح، وشكلا معاً ثنائياً ثقافياً وإنسانيّاً فريداً، تصفه الشاعرة قائلة: “وضع عبد الله المبارك يدَهُ بِيدي، وشارَكني الرحلة الشاقة.. فواجَهْنا معاً قُطَّاعَ الطُّرُقِ.. وعَبَرْنا الأشْواكَ، وكتبْنا مَسيرةَ النُّورِ.. وشيَّدْنا أركانَ أسْرةٍ جَميلةٍ.. ومِنْ هذهِ الأُسْرةِ عَمِلْنا معاً للإنسانِ.. للوطَنِ”.

* امتداد العطاء: غرس قيم الفروسية وحب الوطن في أبنائه؛ الراحل الشيخ مبارك، والشيخ محمد.والشيخ مبارك. وفي رسالة مؤثرة لابنها الشيخ محمد، تؤكد الشيخة سعاد على هذا الامتداد قائلة: “يا نبتةً من غراس عبد الله المبارك، يا امتدادًا لمدرسة الفروسية والوفاء.. أنظر إليك فأرى ملامح أبيك، وقوة جدك، أرى فيه صدق القيادي ورحابة قلب الأب وشرف المسؤول”.
رحل الشيخ عبد الله المبارك الصباح جسداً، لكنه بقي حياً في تاريخ الإدارة الكويتية، وفي سجل الشرف العسكري، وفي قلوب كل من يثمنون المواقف القومية الشجاعة. إنه “آخر السيوف” الشامخة التي أرست القواعد، لتبقى الكويت واحة أمن ومنارة ثقافة وعروبة.





