الأخبارمقالات و تحليلات

ليس رئيسًا بل علامة تجارية / بقلم : عبد اللطيف المناوي

عبد اللطيف المناوي / كاتب وباحث مصري

هناك مشاهد سياسية تختصر أصحابها أكثر من آلاف الخطب. مشهد إزالة اسم دونالد ترامب من واجهة مركز كينيدى للفنون فى واشنطن واحد من هذه المشاهد. عمال فوق السقالات، أحرف ذهبية كبيرة تُفكّ من واجهة مؤسسة ثقافية عريقة، وحشد يتابع ويهتف، وآلاف يشاهدون البث المباشر كأنهم يتابعون نهاية فصل مسرحى طويل. الصراع بين الاسم والمؤسسة، بين الشخص والتاريخ، وبين الرغبة فى الخلود وحدود القانون.

مجلس إدارة مركز كينيدى أضاف اسم ترامب إلى تسمية المركز، ثم جاء القضاء الفيدرالى ليقرر أن هذا التغيير غير قانونى، وأن اسم المؤسسة لا يتغير إلا بقرار من الكونجرس. القصة فى عمقها أبعد من لافتة تُعلق أو تُزال. إنها قصة رجل لا يحب أن يكون عابرًا، ولا يقبل أن يمر فى التاريخ بوصفه رئيسًا سابقًا أو لاحقًا فقط، بل يريد أن يترك اسمه محفورًا على المبانى، والعملات، والمؤسسات، وربما على الذاكرة نفسها إن استطاع.

من الصعب التعامل مع ترامب باعتباره سياسيًا تقليديًا. فهو لم يدخل السياسة من باب الحزب أو المؤسسة أو المدرسة الفكرية، بل جاء من عالم آخر، عالم العقارات، والشاشات، والعلامة التجارية الشخصية. فى ذلك العالم، الاسم ليس مجرد تعريف، بل أصل من الأصول. «ترامب» لم يكن اسم عائلة فقط، بل كان علامة على أبراج وفنادق وملاعب ومنتجعات. وعندما انتقل الرجل إلى السياسة، لم يترك هذه الثقافة خلفه، بل حملها معه إلى البيت الأبيض. تعامل مع الرئاسة، فى كثير من الأحيان، كامتداد للعلامة التجارية، لا كوظيفة مؤقتة داخل نظام جمهورى يقوم على تداول السلطة.

لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح الاسم جزءًا من مشروعه السياسى. ترامب لا يكتفى بأن يُذكر فى الأخبار، بل يريد أن يُرى. لا يكتفى بأن يُسجل فى الكتب، بل يريد أن يُكتب على الحجر. لا يريد أن يكون صاحب قرار فقط، بل صاحب واجهة. وفى السياسة الأمريكية، حيث يتمتع الرؤساء السابقون عادة بمكانهم فى المكتبات الرئاسية والمذكرات والتماثيل التى تأتى لاحقًا وبهدوء، يبدو ترامب متعجلًا على تخليد نفسه وهو لا يزال فى قلب المعركة.

هنا تصبح حادثة مركز كينيدى كاشفة لطبيعة أوسع. فالمركز يحمل اسم جون كينيدى، الرئيس الذى اغتيل شابًا وتحول إلى رمز أمريكى للخيال السياسى والثقافى، حتى لو اختلف المؤرخون حول حجم إنجازه الفعلى. اسم كينيدى لم يأتِ من رغبة شخصية فى تعليق حروف ذهبية على واجهة مؤسسة، بل جاء بعد موته، عبر الذاكرة العامة، وفى إطار تكريم وطنى. إضافة اسم ترامب محاولة لاختصار الطريق إلى التاريخ، أو إجبار التاريخ على فتح الباب قبل موعده.

ترامب أراد أن يكون حضوره فوق اسم كينيدى، فإذا بالقضاء يعيد الترتيب إلى أصله، للمؤسسات قواعد، وللأسماء سياقات، وللتاريخ أبواب لا تُفتح دائمًا بالأغلبية الإدارية أو القرار السياسى. القضية هى هل يجوز للرئيس أن يعيد تشكيل الرموز الوطنية على صورته؟.

المصدر : المصري اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى