الأخبارمقالات و تحليلات

المفكر والأكاديمي العراقي البارز ا.د كريم فرمان يكتب #للصدى : فسيفساء البقاء: لماذا لا تستطيع الحضارات أن تعيش وحدها؟”

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

كما عودنا الكاتب والمفكر العراقي البارز الأكاديمي المبرز كريم فرمان على استشرافه الدقيق وسبره العميق لأغوار وداهاليز الأحداث والتطوارات يتحفنا اليوم بأحد مقالاته الفكرية الرصينة و العميقة التي تمزج بين الامتاع والابداع والاقناع ، حيث صاغ قلمه السيال دررا فكرية رائعة تستنطق مكنون اللحظة المأزومة التي نعيشها اليوم  ليحلق بنا في فضاءات الفلسفة والسياسة و التاريخ والجغرافيا ساكبا في كؤس وعينا رحيق عصارات الحضارات السابقة، لما لاستنطاقها من دور محوري في تشكيل وعينا الحالي وترشيد قرارنا الراهن و توجيه مستنير لبوصلة فعلنا الحضاري المطلوب في هذه اللحظة أكثر من أي لحظة سالفة أو غابرة 

تقديم : رئيس التحرير 

 

منذ أن أطلق صاموئيل هنتنجتون نظريته حول “صراع الحضارات”، انشغل العالم برسم الحدود وبناء الجدران، متناسين حقيقة تاريخية أزلية: الحضارة كائن حي لا ينمو إلا بالتلقيح وإن ما يشهده التاريخ ليس معركة بين هويات منغلقة، بل هو تيار مستمر من “التكامل الحضاري” حيث تُسلم كل أمة شعلة المعرفة للأخرى، لتضيء درباً مشتركاً للبشرية.

فالصين والعراق حينما التقت النهضة بالعراقة  عندما أرادت الصين العظيمة أن تبهر العالم بأكبر مطار في بكين (مطار داشينغ)، لم تنكفئ على ذاتها، بل اختارت العبقرية العراقية “زهاء حديد” لتصميم هذا المطار، الذي يشبه طائراً أسطورياً يستعد للإقلاع، هو في الحقيقة “عناق حضاري” بين طموح الشرق الأقصى وخيال الرافدين. ولم يكن هذا التعاون وليد الصدفة؛ فباني نهضة الصين الحديثة دنغ هشياو بنغ عندما أراد وضع خارطة طريق اقتصادية، استعان ببروفيسور عراقي من جامعة كامبريدج (ألياس كوركيس) ليرسم ملامح التحديث الاقتصادي الصيني. هنا، لم تسأل الصين عن “صراع الثقافات”، بل بحثت عن “تكامل الخبرات”.
فالجذر الحضاري والعلم العالمي مترابطان رغم الفجوة الزمنية والحضارية بين بلدان اليوم من فالعالم المصري الراحل “أحمد زويل” لم يكن ليحقق ثورة “الفيمتو ثانية” لولا استناده إلى جذر حضاري مصري يقدس الزمن والبناء، ممزوجاً بأدوات العلم الحديث في الغرب. زويل ليس حالة فريدة، بل هو نمط متكرر للعبقرية المهاجرة التي تُثمر في أرض جديدة وخذ الجراح والطبيب المصري البريطاني الجنسية مجدي يعقوب الذي نقل دقة “بناة الأهرامات” إلى غرف العمليات في بريطانيا، ليصبح ملك القلوب العالمي.
وستيف جوبز مؤسس “أبل”، الذي تعود جذوره إلى سوريا حيث امتزجت روح المغامرة الشامية بالابتكار الأمريكي التقني لتغير وجه العالم الرقمي.
والعالم المصري الباز و سليم الحص وشارل العشي علماء الفضاء في “ناسا” الذين جاؤوا من عمق الشرق ليقودوا طموحات البشرية نحو المريخ.

(الأرض.. وعاء التكامل لا ميدان الصراع)

إن “أرض الحضارات” كانت دوماً هي الوعاء الذي تنصهر فيه المعارف فالعلم لا وطن له، لكن له جذوراً. فالحضارة الغربية الحديثة ما كانت لتقوم لولا “جسر الترجمة” العربي الذي نقل علوم اليونان، والصين ما كانت لتنهض تقنياً لولا انفتاحها على العقول العابرة للحدود.
العالم اليوم لا يتكامل رغبةً فحسب، بل ضرورةً فنحن نعيش في “سفينة فضائية” واحدة؛ إن خرقها أحدنا غرقنا جميعاً وعلى سبيل المثال اضرار جائحة كورونا.
إن تفاعل الحضارات هو الذي يمنحنا “المناعة” ضد الفناء، ويؤكد أن التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل هو معمل كبير يعمل فيه الجميع، من بكين إلى بغداد، ومن القاهرة إلى كاليفورنيا، لصناعة مستقبل يليق بالإنسان.

وليس العلم والاختراعات وحدها هي مجال التفاعل الحضاري فهناك ايضا تأثير الفنون (كالموسيقى والعمارة) في كسر الحواجز بين الشعوب لتعزيز التواصل والتأمل
و كيف تعمل هذه المجالات كـ “لغة عالمية” تتجاوز الحدود
الفن اليوم يمثل القوة الناعمة لبناء جسور لا تعترف بالحدود
لا تقتصر أهمية الفنون والثقافة على الجانب الجمالي فحسب، بل هي الأدوات الأكثر فاعلية في “أنسنة” المجتمعات بعيداً عن القوالب النمطية السياسية، والموسيقى التي وصفها وصفا جميلا الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون(اللغة التي تُفهم بالقلب) هي حقا اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة ،وعندما تمتزج الألحان الشرقية بالإيقاعات الغربية تذوب الفوارق العرقية، وتصبح “النوتة الموسيقية” مساحة مشتركة يشعر فيها الجميع بالانتماء لنفس التجربة الإنسانية.
اما فنون الهندسة والعمارة اعتبرها (شاهد التاريخ المشترك) تعكس أمامنا شواخص تلاقح الحضارات فالطراز الأندلسي، على سبيل المثال، هو مزيج عبقري بين الشرق والغرب. المباني ليست مجرد جدران، بل هي سجلات بصرية تحكي كيف استلهمت الشعوب من بعضها البعض لبناء مدن تعيش فيها الثقافات جنباً إلى جنب.
الفنون البصرية والثقافة وخصوصا الرواية تكسر هذه الإبداعات الحواجز من خلال سرد قصص الآخرين ونحن عندما نشاهد فيلماً أو نقرأ رواية من ثقافة مختلفة، نكتشف أن “الآخر” يشبهنا في مخاوفه، وأحلامه، وقيمه الأساسية، مما يحول الغريب إلى صديق مألوف.

الخــلاصــــــــــة: إن الاستثمار في التبادل الثقافي والفني هو استثمار في السلام الدائم؛ لأن الثقافة تبني الجسور في العقول والقلوب حيث تعجز الدبلوماسية التقليدية أحياناً عن الوصول.

هناك أمثلة تاريخية وحديثة غنية بالتفاصيل لإضفاء بعداً توثيقياً قوياً،
ومن الأمثلة التاريخية عن الجذور الحضارية للمنجزات الفنية والثقافية ما وجد في العصور السورية (أوغاريت)
اكتشاف أقدم “تنويت موسيقي” في العالم (ترنيمة حورية) في رأس شمرا.
وأثبتت أوغاريت أن الموسيقى كانت لغة دينية وروحية مشتركة في منطقة شرق المتوسط، حيث انتقلت هذه السلالم الموسيقية لتؤثر في الموسيقى الإغريقية لاحقاً، مما يوضح أن الفن السوري كان “الجسر” الأول الذي عبرت عليه الثقافة الموسيقية إلى الغرب.
وفي العصور البابلية وفي نطاق (العمارة والفكر)
لمثال حي لامع “بوابة عشتار” وقوانين حمورابي،

أذ لم تكن عمارة بابل مجرد جدران، بل كانت رسالة بصرية للقوة والتحضر أبهرت الشعوب المجاورة. بابل كانت “بوتقة انصهار” (Melting Pot) حيث استوعبت ثقافات عديدة وصهرتها في عمارة وفنون موحدة، مما جعلها مركزاً ثقافياً عالمياً يقصده الناس من كل صوب، متجاوزين حواجز اللغة والجغرافيا.
وفي العصور الفرعونية يلاحظ (التلاقح الفني)
في تأثير الفن المصري القديم في النحت الإغريقي (أسلوب “كوروس”).
حيث تبنى الإغريق تقنيات النحت والعمارة المصرية (مثل الأعمدة الضخمة) وطوروها.
هذا التبادل الفني يثبت أن الحواجز بين مصر واليونان لم تمنع انتقال “الجمال”، حيث كانت الفنون المصرية هي المعلم الأول الذي استندت إليه الحضارة الغربية في بداياتها.

ومن الأمثلة الحديثة تعزيزا للمصداقية

1. أوركسترا “ديوان الشرق والغرب”
الأوركسترا التي أسسها إدوارد سعيد ودانيال بارينبويم.
من خلال تجمع موسيقيين من دول في حالة صراع تاريخي ليجلسوا جنباً إلى جنب ويعزفوا سيمفونية واحدة!! هذا المثال يثبت أن “الموسيقى” تنجح في خلق حوار إنساني حيث تفشل طاولة المفاوضات.
ولا نغفل عن مبادرات الترميم المعماري المشترك
مثال إعادة إعمار معالم تاريخية مدمرة (مثل مئذنة الحدباء وكنيسة الساعة في الموصل) بالتعاون بين اليونسكو ودولة الامارات العربية المتحدة وجهات دولية وعمالة محلية متنوعة.
انها ليست مجرد بناء، بل هي عملية “تضميد جراح” تجمع الشعوب لإحياء ذاكرة إنسانية مشتركة ضد قوى الهدم.
وكذلك المتاحف العالمية كفضاءات مفتوحة (مثل متحف اللوفر أبوظبي)
الذي يعرض القطع الأثرية بناءً على تسلسل زمني ومواضيع إنسانية مشتركة لا بناءً على جنسية القطعة.
مما يساعد الزائر على رؤية كيف تطور الفن البشري بشكل متوازي بما يكسر فكرة “التفوق الثقافي” ويعزز فكرة “الوحدة الإنسانية”.

ولو رجعنا قليلا إلى الوراء تُعد الحضارة السومرية من أعمق الجذور التي تُثبت أن الفن والثقافة كانا وسيلة للتواصل العابر للحدود منذ فجر التاريخ وهذه أمثلة
1. القيثارة السومرية (قيثارات أور الذهبية)

* اذ تُعتبر من أقدم الآلات الوترية في التاريخ (أكثر من 4500 عام). فلم تكن مجرد آلة موسيقية، بل كانت رمزاً ثقافياً انتقل تأثيره وتصميمه إلى الحضارات المجاورة في عيلام ومصر وشرق المتوسط. الموسيقى السومرية لم تكن محصورة في المعابد، بل كانت “لغة روحية” عابرة للمدن والدول، حيث أظهرت الاكتشافات تشابهاً في الألحان والطقوس الموسيقية بين شعوب متباعدة جغرافياً، مما يؤكد أن النغم كان أول جسر بشري للتفاهم.

ومثال اخر الأختام الأسطوانية (فن الرسم المصغر حيث ان الأختام السومرية التي كانت تُستخدم لتوثيق التجارة والعقود، كانت هذه تحمل رسومات فنية وقصصاً أسطورية (مثل ملحمة جلجامش) و عبر حركة التجارة، انتقلت هذه الفنون من بلاد الرافدين إلى وادي السند ومصر ،هذا الانتقال الفني كسر حواجز اللغة؛ فالتجار من لغات مختلفة كانوا يفهمون الرموز الفنية على الختم، مما جعل “الفن البصري السومري” لغة دبلوماسية وتجارية موحدة.

وكذلك الزقورات عمارة التواصل بين الأرض والسماء فتصميم الزقورة السومرية المتدر بهذا النمط المعماري الفريد لم يبقَ حبيس المدن السومرية، بل ألهم بناء الأهرامات المدرجة في مصر والمعابد في عيلام.
العمارة السومرية كانت تنقل فكراً فلسفياً عن “علاقة الإنسان بالكون”، وهو فكر تبنته شعوب أخرى بصيغ مختلفة، مما يثبت أن الابتكار المعماري السومري كان يكسر الحواجز المعرفية بين الأمم.

الأرض.. وعاء التكامل لا ميدان الصراع

إن “أرض الحضارات” كانت دوماً هي الوعاء الذي تنصهر فيه المعارف. العلم لا وطن له، لكن له جذوراً. فالحضارة الغربية الحديثة ما كانت لتقوم لولا “جسر الترجمة” العربي الذي نقل علوم اليونان، والصين ما كانت لتنهض تقنياً لولا انفتاحها على العقول العابرة للحدود.
العالم اليوم لا يتكامل رغبةً فحسب، بل ضرورةً. نحن نعيش في “سفينة فضائية” واحدة؛ إن خرقها أحدنا غرقنا جميعاً. إن تفاعل الحضارات هو الذي يمنحنا “المناعة” ضد الفناء، ويؤكد أن التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل هو معمل كبير يعمل فيه الجميع، من بكين إلى بغداد، ومن القاهرة إلى كاليفورنيا، لصناعة مستقبل الأمم.

ولا بد كذلك من الإشارة إلى حضارة الأندلس والتي أثرت بشكل عميق في نهضة أوروبا، وإليك ملخص لأبرز إسهاماتها:

* العلوم والطب: نقل الأندلسيون الجراحة (عبر الزهراوي) والصيدلة، وترجموا مؤلفات ابن رشد وابن سينا التي أصبحت مراجع أساسية في الجامعات الأوروبية لقرون.
* الفلك والرياضيات: أدخلوا الأرقام العربية (الغبارية) والصفر، وطوروا أدوات الرصد الفلكي والأسطرلاب.
* الزراعة والصناعة: نقلوا تقنيات الري (السواقي) ومحاصيل جديدة كالأرز والقطن وقصب السكر، وبرعوا في صناعة الورق والجلود والنسيج.
* الفلسفة والأدب: كان لابن رشد أثر هائل في تحريك العقل الأوروبي، كما أثرت فنون الموشحات والزجل في شعراء “التروبادور” بفرنسا.
* العمارة: استلهمت أوروبا فنون القناطر والزخارف الإسلامية، وهو ما يظهر جلياً في الفن المدجن والعمارة القوطية لاحقاً.

أما بالنسبة لكتاب “شمس العرب تشرق على الغرب” (الذي يُعرف أحياناً باسم شمس حضارة العرب)، فمؤلفته هي المستشرقة الألمانية الشهيرة زيغريد هونكه (Sigrid Hunke قالت إنه لولا حضارة العرب والمسلمين لم يستطيع الغرب انجاز ما انجزه من مكتسبات للحضارة واختراعات مدنية خدمت الإنسانية.
اتذكر أقوال استاذ القانون والنظم السياسية في جامعة بنسلفانيا لا تنبهروا بامريكا فهي ليست الا معمل كبير توفرت له افضا العقول والمبدعين من كل العالم، انتم في الشرق جذر الحضارة واساس التقدم وان خبت شموسكم فهذه دورات الحضارة سوف تعود لذا سيحاربونكم كي لا تعود لكم دورة الحضارة.

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى