الأخبارمقالات و تحليلات

مهادنة في حقل الألغام .. تعقيب على واقعية الأمير تركي الفيصل / كتب ا.د كريم فرمان 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

حين يكتب الأمير تركي الفيصل، ينصت العالم لخبرة عقود من الدبلوماسية والاستخبارات. مقالته الأخيرة في صحيفة “الشرق الأوسط” بعنوان “هكذا نجح الأمير محمد بن سلمان” ليست مجرد قراءة سياسية، بل شهادة من قامة عاصرت تحولات المنطقة الكبرى ، وقد عبرت شخصيا عن اعجابي برحلة الفيصل الدبلوماسية ورؤيته للامن الاقليمي من نافذة استراتيجية في مقال عنه نشرته قبل شهور على هذه الصحيفة الغراء بعنوان( تركي الفيصل رجل دولة أتقن السياسة) ولذا فان الخلاف بالاراء لا يفسد الاعجاب.

تعكس مقالة الأمير الفيصل في صحيفة الشرق الأوسط إعجاباً عميقاً بنهج واسلوب تعاطي زعيم دولة يمتلك تصورات أمنية واستراتيجية ثاقبة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان صاحب الرؤية التي نقلت المملكة العربية السعودية إلى فضاء الإنجاز والمستقبل وحولتها إلى لاعب عالمي لا يمكن تجاوزه.

إلا أن تفكيك المقاربات الدبلوماسية التقليدية في مواجهة الأخطار الوجودية يستدعي مناقشة الطروحات الساعية للتهدئة؛ فالطرح الذي يميل للمهادنة في مقالة الأمير تركي الفيصل يترك شرخاً في جدار الأمن القومي العربي من خلال تغافل الطبيعة الأيديولوجية للنظام الإيراني الذي لا يؤمن بالسلام المستدام.
ولغرض تفنيد طروحات التهدئة في ضوء السلوك الإيراني العدواني المستمر ضد جيرانه منذ عام 1979 وحتى ساعة كتابة هذا المقال يتجسد امام المراقب والمتابع عبر

* وهم الالتزام بالاتفاقيات: ترتكز فرضية المهادنة على إمكانية إلزام طهران بالقوانين الدولية، وهي فرضية يفندها سجل إيران الحافل بخرق المعاهدات.

* تصدير الثورة أصل دستوري: لا يمكن الرهان على تغيير سلوك نظام يضع “تصدير الثورة الإسلامية” ركيزة أساسية في دستوره وبنيته السياسية فالنظام الإيراني المعروف عنه الابهار في فن شراء الوقت والمراوغة سرعان ما يعود الى عقيدته وأسس نظريته السياسية في الطموحات الامبراطورية والتوسعية حال توفر الظروف المناسبة.

* إثارة الصراعات المذهبية: تستخدم طهران النفس الطائفي كأداة شرعية لتوغلها، مما يجعل أي تقارب سياسي مجرد غطاء لتمدد أيديولوجي موازٍ.

* توظيف الأذرع المسلحة فالسلوك الإيراني على الأرض يثبت أن المفاوضات بالنسبة لها هي مناورة لكسب الوقت وتخفيف الضغوط، بينما تستمر المليشيات في زعزعة الاستقرار.

ان تداعيات عدم التصدي للنفوذ الإيراني على الأمن الخليجي الجماعي
والتراخي في مواجهة هذا المشروع التوسعي يحمل تداعيات كارثية على منظومة الأمن الجماعي الخليجي ومرتكزاته الاستراتيجية:

* تآكل الردع المشترك وغياب الحسم يؤدي إلى إضعاف العقيدة الأمنية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي ويغري الأطراف المعادية بمزيد من التطاول.

* مأسسة المليشيات حول الحدود يتيح التراجع لإيران وتحويل أذرعها في اليمن والعراق ولبنان إلى قوى مستدامة تهدد خطوط الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية بشكل دائم.

* اختراق الجبهات الداخلية إذ ان التمدد الإيراني يعتمد على تفكيك النسيج الاجتماعي الخليجي عبر إذكاء الولاءات الفرعية على حساب الهوية الوطنية والخليجية الجامعة.

* التبعية الأمنية للقوى الخارجية يضطر غياب الأمن الجماعي القوي دول المنطقة للبحث عن مظلات أمنية خارجية منفردة، مما يضعف القرار الخليجي الموحد.

كما ان المرتكزات الدينية وحماية المقدسات من الأطماع الايرانية باللبوس المذهبي هو تحدي وخطر وجودي وليس مجرد حالة اختلال امن وتباين مواقف سياسية من خلال سعي نظام طهران الكهنوتي إلى منافسة :

* الشرعية الروحية للمملكة في قيادة العالم الإسلامي انطلاقاً من خدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما وهذا ما يجب أن تبقى الخط الأحمر الذي لا يمكن المساومة عليه.

* الهوية الحاضنة والحفاظ على المكتسبات الدينية في مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة والمسيسة التي تسعى لتسييس الحج وشق صف المسلمين.

* لا بد من التصدي للأطماع الصريحة ومواجهة المشاريع التوسعية التي تستهدف العمق العقدي والسياسي للمملكة العربية السعودية.

إن هذا الخطر العقدي والجيوسياسي ليس تحليلاً، بل نيات معلنة صراحة بالصوت والصورة على لسان قادة المشروعات الإقليمية الموالية لإيران حيث صرح أبو مهدي المهندس، رفيق قاسم سليماني، بوضوح عن السعي للوصول إلى مكة والمدينة وتأمين قبور آل البيت في البقيع وفق منظورهم الطائفي و يكشف هذا الخطاب طبيعة “حقل الألغام” الذي ينبغي أن تتعامل معه القيادة السعودية بيقظة تامة لحماية سيادتها ومقدساتها، ويبين كيف أن الطروحات الدبلوماسية الناعمة قد تغفل حجم هذا الحقد الأيديولوجي الموجه نحو وجدان الأمة.

كما أن حساب المكاسب الاستراتيجية في الحرب الأمريكية مع ايران لا يقارن مع الخسائر التكتيكية المؤقتة والتي يمكن تحملها وتعويضها مع توفر الإرادة السياسية ووسائل دفاع متطورة اثبتت كفاءتها وقدرتها مع الالتفاف الشعبي الهائل في دول الخليج العربي مع قياداتهم وحكامهم هو يجب ان لا يغيب عن أنظار رجل استراتيجي وسياسي مثل الأمير الفيصل.

وختاما..

إن قراءة مدرسة الأمير تركي الفيصل الدبلوماسية تؤكد أن التميز يكمن في تنوع الرؤى البناءة، ويظل سموه رمزاً للحكمة والخبرة السياسية التي نستلهم منها الكثير.

إن الاختلاف في تقدير أدوات التعامل مع العدوان الإيراني، والتحذير من مغبة ترك أي شرخ في جدار الأمن القومي العربي، لا يفسد أبداً الود، ولا ينقص من الإعجاب الكبير بشخصية الأمير تركي وآرائه التاريخية. تلتقي هذه الخبرة مع حيوية ورؤية الأمير محمد بن سلمان الشابة والمقدامة، التي تدرك أن حقل الألغام لا يُعبر بالمهادنة، بل بالحزم والقوة لتأمين الحاضر وصناعة المستقبل، وضمان ريادة المملكة واستقرار المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى