الأخبارمقالات و تحليلات
برنامج “عون”: بين الإغاثة والتنمية / بقلم : المهندس أحمد ولد أعمر

حين يُطلق رئيس الجمهورية برنامجاً اجتماعياً يمسّ حياة ما يزيد على مليوني مواطن، فإن الواجب الوطني يقتضي تأمله بعين ناقدة لا عدائية، ومساءلته بمنطق تقويمي لا تجريحي.
ذلك أن الصمت والمديح الأعمى وجهان لعملة واحدة، كلاهما لا يخدم المواطن الذي يُفترض أن يكون محور كل سياسة وغاية كل قرار.
عملية “عون” في مضمونها الإنساني تنبع من إحساس حقيقي بمعاناة الفئات الهشة، وهو ما لا ينبغي التشكيك فيه.
غير أن حسن النية وحده لا يكفي لبناء سياسة اجتماعية رشيدة، وضخامة الأرقام المُعلنة لا تُغني عن دقة التنفيذ وعمق الأثر.
فبين النية الطيبة والأثر الحقيقي مسافة تتعدد فيها الآليات وتملأها الأمية الرقمية !
وتلك هي بالضبط مساحة النقاش الجدير بالفتح.
يُعدّ التوزيع النقدي عبر منظومة رقمية نقلة نوعية في آليات صرف الدعم، غير أن ثمة مفارقة تستحق التأمل:
كيف تُبنى منظومة توزيع اجتماعي على تقنيات رقمية في مجتمع ما تزال شريحة واسعة منه تعاني من الأمية الرقمية بل والأبجدية أحياناً؟ فالمواطن الذي يسكن بادية أطار أو أعماق أوكار، ولا يمتلك هاتفاً ذكياً ولا يعرف ما هي “جيم تيل” ولا يحظى بتغطية شبكية مستقرة، هو بالضبط الأشد هشاشة والأولى بالدعم والأكثر عرضة للإقصاء من منظومة صُممت نظرياً لخدمته. فالرقمنة أداة للتمكين حيث تتوفر البنية التحتية، لكنها قد تتحول إلى أداة للإقصاء حيث تغيب تلك البنية.
ويزداد الأمر تعقيداً حين ندرك أن البرنامج يعتمد على السجل الاجتماعي الوطني باعتباره المرجعية الأساسية لتحديد المستفيدين. ورغم أهمية هذه الأداة،
فإن أي سجل اجتماعي يظل عرضة لأخطاء الإدراج والإقصاء،
لا سيما في المجتمعات التي يتغير فيها الوضع الاقتصادي للأسر باستمرار.
ويُضاف إلى ذلك الإشكال التاريخي للتوثيق المدني في بعض المناطق الريفية، حيث لا يزال أشخاص يفتقرون إلى وثائق الهوية السليمة يجدون أنفسهم أمام باب موصد رغم استيفائهم لشروط الاحتياج الفعلي.
فالفقر ليس حالة جامدة، بل واقع متحرك يتطلب تحديثاً دائماً للمعطيات وآليات مراجعة مستمرة.
ولا يقتصر الأمر على الإقصاء غير المقصود، فغالباً ما تنشأ حول البرامج الاجتماعية الكبرى أنشطة هامشية تستفيد من الثغرات الإدارية، سواء عبر الوساطة في التسجيل أو استغلال النفوذ الميداني أو ضعف الرقابة على التوزيع. وليس في ذلك اتهام لأحد بعينه، بل دعوة صريحة لتعزيز آليات الشفافية والرقابة المستقلة بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ويعزز ثقة المواطنين في عدالة السياسات الاجتماعية.
ومن زاوية أخرى، قد تخلق هذه البرامج شعوراً عاماً بالاطمئنان إلى أن المشكلة الاجتماعية قد وُضعت على طريق الحل، بينما تظل الأسباب البنيوية للهشاشة قائمة كما هي.
فالتغطية الإعلامية الواسعة والإعلان عن الأرقام الكبيرة يمنحان البرنامج بعداً رمزياً وسياسياً مهماً، لكن النجاح الحقيقي يبقى مرهوناً بقدرته على إحداث تغيير دائم في حياة المستفيدين لا مجرد تخفيف مؤقت لمعاناتهم. وكثيراً ما تُفضي البرامج ذات الطابع الإغاثي إلى تقليص الضغط المجتمعي نحو إصلاحات هيكلية أعمق، لأنها تمنح انطباعاً بأن المشكلة قد عولجت بينما تظل جذورها قائمة.
والحقيقة أن السلة الغذائية أو التحويل النقدي قد يخففان الضغط عن الأسرة شهراً أو شهرين، ثم تعود إلى نقطة الصفر وإلى قوائم الانتظار وإلى الهشاشة ذاتها التي لم يمسّها البرنامج في جوهرها. لذلك يظل هذا النوع من التدخلات أقرب إلى أدوات الحماية الاجتماعية والاستجابة للأزمات منه إلى مشاريع تنموية قادرة على معالجة جذور الفقر. وما كان صالحاً لتخفيف آثار الأزمات لا ينبغي أن يُقدَّم بوصفه بديلاً عن سياسات التنمية المستدامة.
والنقد الأمين يستلزم تقديم البدائل. فبدلاً من الاقتصار على الدعم الاستهلاكي، يمكن تخصيص جزء معتبر من هذه الموارد لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة مقرونة بالتكوين المهني والمواكبة الفنية، بما يُتيح للأسر الانتقال تدريجياً من الاعتماد على الدعم إلى الاعتماد على النشاط الاقتصادي المنتج. كما يمكن استثمار البنية الرقمية لمنظومة “جيم تيل” في تشجيع الادخار والإدماج المالي للفئات الهشة، لتتحول من مجرد قناة لصرف الإعانات إلى أداة حقيقية للتمكين الاقتصادي.
إن نجاح برنامج “عون” لا ينبغي أن يُقاس بعدد السلات الموزعة ولا بحجم المبالغ المُصرفة، بل بقدرته على تقليص أعداد المحتاجين إليه سنة بعد أخرى. فالدعم الاجتماعي ضرورة أخلاقية ووطنية لا غنى عنها، لكنه يظل مرحلة انتقالية لا غاية نهائية. أما الرهان الحقيقي فيكمن في بناء اقتصاد يخلق فرص العمل، وتعليم يرفع الكفاءات، وسياسات تمكين تجعل المواطن قادراً على الاعتماد على نفسه والمساهمة في إنتاج الثروة.
فالتنمية الحقيقية ليست أن نحسن إدارة الفقر، بل أن نمنح المواطن الوسائل التي تمكنه من مغادرته.




