الأخبارالصدى الثقافي

ترنيمة الأرض والينابيع: نسرين برواري.. هندسة الإرادة وصناعة الأمل/ كتب ا.د كريم فرمان

 في مشهد الثقافة والإدارة العربية والكردية، تولد أحياناً مؤلفات لا تصنف مجرد كتب تقرأ، بل هي وثائق إنسانية حية، تنبض بالتحدي وتفوح بعبق النضال الصادق. يأتي كتاب الدكتورة والوزيرة السابقة نسرين برواري الأحدث، والموسوم بـ “في أرض آلاف الينابيع”، الصادر عن دار سعاد الصباح للنشر ودار الرافدين ليكون مرآة مصقولة لرحلة حياة استثنائية، وعنواناً عريضاً لقصة نجاح كُتبت بحبر الإصرار وعرق العمل الدؤوب.

من حلم البدايات إلى قمم العلم 

هذا الكتاب ليس مجرد مذكرات عابرة، بل هو رصد ملهم لرحلة “الابنة الوحيدة” التي شقت طريقها بثبات وسط عشرة أخوة شباب، محولةً كل التحديات إلى طاقة إيجابية. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، لكن الإرادة الصلبة قادتها من مقاعد دراسة الهندسة المعمارية في جامعة بغداد العريقة، إلى أروقة جامعة هارفارد العالمية لتنهل من علوم الإدارة، وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراه. لقد استطاعت برواري أن تقدم نموذجاً فريداً يندر تكراره؛ إذ جمعت بين عمق العلم، رفعة الخلق، تذوق الفن، والإخلاص المطلق في العمل.

أيقونة السلام وحقوق الإنسان

يتجلى في صفحات الكتاب كيف نذرت الكاتبة حياتها وشبابها لخدمة قضية آمنت بها حتى النخاع، متمثلة في تطوير إقليم كردستان ورفع المعاناة عن إنسانه. ومن خلال عملها المتميز مع المنظمات الدولية، أثبتت أن الإدارة ليست مجرد مناصب، بل هي رسالة إنسانية. إن شخصية نسرين برواري لم تصنعها الصدف، بل صاغتها قيم راسخة من الحب، السلام، الديمقراطية، والدفاع المستميت عن حقوق الإنسان، متجاوزةً حدود العرق، الجنسية، أو الانتماء.

شهادة من قلب التاريخ يوم فرحت المحافل إعجاباً

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

ولا يمكن لمنصف أن ينسى تلك اللحظة التاريخية الفارقة في عام 2005، عندما وقفت هذه القامة الشامخة تحت قبة جامعة الدول العربية، ليتم تكريمها كأفضل وزيرة بلديات في الحكومات العربية. في تلك اللحظات المهيبة، ومن موقع الشاهد الحاضر عن قرب على هذا الاحتفاء الاستثنائي، كان الفرح والانشراح يرتسمان بوضوح على محيا معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك، الأستاذ عمرو موسى؛ حيث التفت وهو يهمس بتقدير وإعجاب بالغيْن: “رائع، رائع.. كم هم الكرد بناة أوطان، وكم هو التنوع مصدر قوة في بلداننا العربية!”. لقد كانت تلك الكلمات الصادقة بمثابة صك اعتراف تاريخي من أعلى هرم دبلوماسي عربي بفكر الدكتورة نسرين الإداري وجدارتها التي جعلت من التنوع والتنمية فناً يبني الأوطان ويقرب القلوب.

إن كتاب “في أرض آلاف الينابيع” هو دعوة مفتوحة لكل باحث عن الأمل، ولكل امرأة تطمح لصياغة مستقبِلها بيديها. نسرين برواري لم تبنِ بيوتاً وصروحاً بصفتها مهندسة فحسب، بل بنت جسوراً من المحبة والسلام بين الثقافات. ستبقى سيرتها منارة مضيئة تلهم الأجيال القادمة بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالوفاء، والعلم، والإخلاص الذي لا ينضب، تماماً كإقليمها الذي يفيض بآلاف الينابيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى