الاختراق من الجنوب، كيف صمدت جماعة معزولة جغرافياً أمام التحالف الإقليمي في اليمن؟ / كتب ا.د كريم فرمان

المصدر : الكاتب /
اثار مقال الكاتب السعودي الاستاذ عبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان ( الحوثي في حفرة الأرنب ) اثار اشكالية تستحق النقاش الواقعي والاكاديمي حولها سيما وأن جوهر المقال كان جواب على تساؤل مطروح بقوة لماذا لا يحسم السعوديون وضع اليمن وينهون جماعة الحوثي؟
تقريبا مر ازيد من عقد من الزمان على الانقلاب الحوثي ضد الشرعية الدستورية ومؤسسات الدولة اليمنية، ويبرز هذا الحدث كأحد أخطر التحولات الجيوستراتيجية في التاريخ العربي الحديث. فلم يكن الانقلاب مجرد تمرد محلي، بل خطة إقليمية ممنهجة تهدف إلى محاصرة المملكة العربية السعودية من الجنوب،
ومحاصرة دورها القيادي في العالم الإسلامي، على غرار الطوق الشمالي في العراق من فصائل سليماني وابو مهدي المهندس. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري قائماً: كيف عجز التحالف الإقليمي، بكل إمكاناته العسكرية والاقتصادية واستضافته للشرعية الدولية، عن حسم المعركة ضد جماعة عقائدية معزولة جغرافياً ولا تملك سوى مسيرات وصواريخ إيرانية؟ إن الإجابة ينبغي لها ان تفكك المفاهيم التقليدية للقوة وتكشف عن أبعاد استراتيجية معقدة.
أولاً: ديناميكيات الحرب غير المتناظرة وتوازن الردع الصِفري
تُفسر نظرية الحرب غير المتناظرة (Asymmetric Warfare) معضلة الاستعصاء العسكري في المشهد اليمني؛ حيث نجحت جماعة الحوثي في تحييد التفوق التسليحي التقليدي للتحالف عبر تبني تكتيكات الجهات الفاعلة من غير الدول (Non-State Actors). من خلال توظيف سلاح كاسر للتوازن منخفض التكلفة (Low-Cost, High-Impact Weaponry) كالمسيرات والصواريخ الموجهة، ومن خلالها فرضت الجماعة استراتيجية حظر الوصول والمنع الإقليمي (Anti-Access/Area Denial – A2/AD). هذا التحول التكنولوجي أحدث اختلالاً في معادلة الكلفة والعائد؛ إذ واجهت الأنظمة الدفاعية التقليدية ذات الكلفة المليونية استنزافاً اقتصادياً مستداماً أمام مقذوفات بدائية، مما قاد في النهاية إلى صياغة توازن ردع سلبي (Negative Deterrence) جعل من خيار الحسم العسكري الشامل كلفة استراتيجية غير مقبولة لصناع القرار في الرياض.
ثانياً: إعادة تموضع العقيدة الأمنية السعودية (رؤية 2030)
انتقلت المقاربة السعودية تجاه الملف اليمني من استراتيجية التدخل العسكري المباشر (Direct Military Intervention) إلى عقيدة الواقعية السياسية وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية المدفوعة بـ “رؤية 2030”. اذ واجه صانع القرار السعودي معضلة المقايضة بين متطلبات الأمن الصلب (Hard Security) والالتزامات الجيوسياسية المفتوحة، وبين ضرورة بناء بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر. وبناءًا على ذلك، تم تبني استراتيجية تصفير الأزمات والاحتواء الإقليمي (De-escalation and Regional Containment)، والتي توجت باتفاق بكين حيث تعكس هذه النقلة قناعة استراتيجية بأن تفكيك الوكلاء الإقليميين (Regional Proxies) يمر حتماً عبر القنوات الدبلوماسية مع “المركز” في طهران، وليس عبر استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة (War of Attrition) في الأطراف.
ثالثاً: الجغرافيا السياسية للتهريب واقتصاد الحرب
لم يكن غياب الاتصال الجغرافي المباشر بين طهران وصنعاء عائقاً أمام تدفق الدعم، وذلك بفضل تطوير إيران لـ شبكات الإمداد اللامركزية الهجينة (Hybrid Decentralized Supply Chains) التي استغلت الطول الجيومورفولوجي للشواطئ اليمنية ،اذ اعتمد الحوثيون على التهريب التكنولوجي الجزئي (Component-Based Smuggling) بدلاً من الأسلحة الجاهزة، حيث يتم شحن الرقائق والقطع الدقيقة وإعادة تجميعها محلياً بـ تكنولوجيا الهندسة العكسية (Reverse Engineering). تزامن هذا التدفق مع بناء اقتصاد حرب موازي (War Economy) محكم قائم على الجبايات العنيفة والسيطرة على الأوعية الضريبية، مما منح الجماعة المرونة الاقتصادية والذاتية الماليّة ، وحررها من الضغوط الحيوية للحصار التقليدي.
وفي الختام أرى ان مخاطر “التأجيل التكتيكي”
وان الانتقال من خيار الحسم العسكري إلى صيغة التهدئة السياسية يمثل “تأجيلاً تكتيكياً” تفرضه حسابات المصالح الاقتصادية الآنية، لكنه ينطوي على مخاطر وجودية بعيدة المدى على الأمن القومي العربي. كما ان القبول بسلطة حوثية كأمر واقع يعني تشريع موطئ قدم دائم للمشروع المذهبي الإقليمي على حدود منبع العروبة، وتحويل اليمن إلى منصة تهديد دائمة لا يمكن التنبؤ بسلوكها. إن الجماعات العقائدية لا تتحول عبر الدبلوماسية إلى قوى سياسية مدنية تؤمن بالسلام والاستقرار الجيراني، بل تستغل فترات الهدوء لإعادة البناء العقائدي، وتزييف وعي الأجيال عبر المناهج التعليمية، ممهدةً لانفجار قادم سيكون أكثر كلفة وأشد تدميراً.
واذا كانت مهمة الكاتب والموقف لا تقف عند حدود توصيف المشكل وعرض مساراته فاجد ان التوصيات المستقبلية للأمن القومي العربي تتمحور حول
* 1. تحويل “التهدئة” إلى حصار ناعم، يجب ألا تعني التهدئة السياسية وقف ملاحقة شبكات التهريب؛ بل ينبغي تكثيف المراقبة البحرية الدولية والبرية لتجفيف ما تبقى من شريان التكنولوجيا الإيرانية.
* 2. إعادة هيكلة الشرعية اليمنية عسكرياً واقتصادياً فالاستثمار في بناء قوة عسكرية يمنية موحدة ومحترفة على الأرض وبما ان بنية المجتمع اليمني هي بنية قبلية صلبة فلم لا تتحرك القوى المسؤولة عن ادارة الملف اليمني لتفعيل هذا النسيج الشرس بوسائل الجذب والاغراءفقد عشت في اليمن عدد من السنوات واحسبني عارفا بتضلريسها وكيفية اعادة تموضع القبائل حتى ان من يعرف الشعب اليمني جيدا يدرك ان الفرداليمني كان الله لم يخلقه الا للقتال !!! ، كما انه من الضروري إنهاء الصراعات البينية الفصائلية (بين المجلس الانتقالي، والإخوان، وقوات طارق صالح) كخطوة استباقية لأي فشل قد يواجه الحل السياسي.
* 3. تأسيس مظلة أمن بحري عربية مشتركة: لمجابهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر تحالف بحري عربي خالص بدعم اممي ودولي يحمي الملاحة، لمنع تدويل المنطقة أو سحب أوراق الضغط الاستراتيجية من أيدي الدول العربية.
* 4. تفعيل القوة الناعمة وسلاح التنمية: دعم المحافظات اليمنية المحررة لتتحول إلى نماذج حكم جاذبة ومستقرة اقتصادياً، مما يسهم في خلخلة الحاضنة الشعبية للحوثيين في الشمال وإظهار عجز مشروعهم المذهبي الجبائي. * كاتب واكاديمي من العراق




