زفرة الأندلس الأخيرة، حيث بكى أبو البقاء الرندي مجداً زائلاً / كتب : ا.د كريم فرمان

على خطى الرندي وابن فرناس، قبل سنوات وقفت في نفس المكان الذي وقف فيه الشاعر أبو البقاء الرندي فوق جروف مدينة “رندة” الأندلسية المعلقة في السماء.
من ذلك المرتفع الشاهق الذي يمتزج فيه السحاب بالصخر، تلفتُّ حولي مستحضراً روح التاريخ؛ فهنا تماماً، شهدت هذه المدينة العبقرية أولى تجارب الطيران في التاريخ البشري على يد المغامر عباس بن فرناس الذي حلق بجناحيه طامحاً في الخلود.
لكن المفارقة المبكية، أنه في ذات المدينة ومن فوق تلك المنحدرات الساحرة، كتب أبو البقاء الرندي مرثيته التي أعلن فيها هبوط الحلم الأندلسي إلى الأبد.
لقد شكل عهد ملوك الطوائف انكساراً سياسياً حاداً بعد سقوط خلافة قرطبة، حيث تمزقت الأندلس لدويلات متناحرة استعانت بأعدائها مقابل الجزية وانغمست في الترف، مما أدى لضعف الدولة وسقوط المدن.
توثق مرثية أبي البقاء الرندي، التي تبرز فيها أبيات مثل:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش انسان
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
هذا الانهيار العسكري والسياسي، محذرة من أن الانقسام هو سبب زوال الممالك. هناك، حيث تلامس الأرض السماء، أدرك الشاعر قبل قرون أن كل صعود يعقبه هبوط، وأن المجد البشري، مهما حلق، لا بد له من مستقر.
لكل شيء إذا ما تم نقصان،،،فلا يغر بطيب العيش انسان
من رحم الانهيار والوجع، صاغ الرندي قصيدته الشهيرة “لكل شيء إذا ما تم نقصان”، والتي لم تكن مجرد بكائية على مدن تسقط كأوراق الخريف (بلنسية، مرسية، جيان، وقرطبة)، بل كانت درساً فلسفياً عميقاً في طبيعة الوجود. أدرك الشاعر وهو يرى القلاع تتهاوى، أن الحياة والحكم لا يستقيمان لأحد، وأن الأيام دول؛ فمن سرّه زمنٌ ساءته أزمانُ. لقد كتب بدموعه حقيقة كبرى: الدوام لله عز وجل وحده، والحكم زائل مهما استطال وتجبر، والملك السعيد هو من اتعظ بغيره لا بملكِهِ.
ما الدرس التاريخي من مرثية الأندلس؟
إن الدرس التاريخي الأكبر الذي تمنحه لنا مرثية الرندي يتجاوز البكاء على الأطلال، ويتلخص في النقاط التالية:
* سنة التغيير الكونية: الدول كالكائنات الحية، تولد، تقوى، تمرض، ثم تموت إذا أهملت أسباب بقائها.
* عاقبة التشرذم: سقطت الأندلس عندما انشغل ملوك الطوائف بالصراعات الداخلية والامتيازات الشخصية على حساب المصلحة العامة.
* وهم القوة المطلقة: الاستقرار السياسي والرفاهية الاقتصادية ليسا صكاً أبدياً بالأمان، بل هما مسؤولية تتطلب اليقظة الدائمة.
* العدالة التاريخية: التاريخ لا يحابي أحداً؛ فالإفراط في الترف وترك الاستعداد يدفع ثمنه الأحفاد ضياعاً للبلاد.
خاتمة: صدى الصوت عبر القرون
لم تكن مرثية أبي البقاء الرندي مجرد مرثية لوطن ضاع، بل كانت وما زالت صرخة تحذير عابرة للقارات والأزمنة. إن جروف “رندة” الصخرية لم تحبَس فقط صدى محاولة طيران ابن فرناس، بل حفرت في جوفها زفرة الرندي الأخيرة التي تذكرنا كلما هبت رياح التاريخ، أن القلاع الحصينة لا تحمي الطغاة، وأن الممالك التي تبنى على الترف والغفلة تذهب بها الريح كأن لم تغن بالأمس. يبقى المجد لرب السموات، وتظل الأندلس درساً حياً ينبض في عروق قصيدة، كلما قرأناها، شعرنا ببرد جروف رندة ودموع شاعرها التي لم تجف بعد.
نـــــــــــص القصيـــــــــــدة :
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ
هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ
مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ
ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
يُمَزق الدهرُ حتمًا كلَّ سابغةٍ
إذا نَبَتْ مَشرَفِيات وخَرصانُ
ويَنتَضي كلَّ سيفٍ للفناءِ ولو
كانَ ابنَ ذي يَزَنٍ والغِمدَ غِمدانُ
أينَ المُلوكُ ذوو التيجانِ من يَمنٍ
وأينَ مِنْهُمْ أكَالِيلٌ وتِيجانُ
وأينَ ما شَادَهُ شَدَّادُ في إرمٍ
وأين ما سَاسَه في الفرس ساسانُ
وأينَ ما حازَهُ قَارُونُ من ذَهَبٍ
وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ
أتى على الكلِّ أمرٌ لا مَرَدَّ له
حتى قضوا فكأنَّ القومَ ما كانوا
وَصَارَ مَا كَانَ مِنْ مُلكٍ ومنْ مَلكٍ
كما حَكَى عَنْ خيالِ الطيفِ وَسْنانُ
دارَ الزمانُ على دارا وقاتله
وأمَّ كسرى فما آواهُ إيوانُ
كأنَّمَا الصَّعْبُ لَم يَسهُل لهُ سببُ
يومًا وَلا مَلَكَ الدنيا سليمانُ
فجائعُ الدهرِ أنواعٌ منوعةٌ
وللزمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ
وللحوادثِ سُلوانٌ يُسَهِّلُهَا
وَمَا لِمَا حلَّ بالإسلامِ سُلوانُ
دَهَى الجزيرةَ أمْرٌ لا عزاءَ لهُ
هوى لهُ أُحدٌ وانهدَّ ثَهلانُ
أصابَها العينُ في الإسلامِ فارتزأتْ
حتّى خلتْ منهُ أقطارٌ وبلدانُ
فاسألْ بَلَنْسِيَةَ ما شأنُ مُرسيةٍ
وأينَ شاطبةٌ أمْ أينَ جيَّانُ
وأينَ قرطبةٌ دارُ العلومِ فكَمْ
مِنْ عالمٍ قَدْ سما فيها لهُ شانُ
وأين حِمصُ وما تحويهِ مِنْ نُزَهٍ
ونهرُها العذبُ فيّاضٌ وملآنُ
قواعدٌ كُنَّ أركانَ البلادِ فما
عسى البقاءُ إذا لمْ تبقَ أركانُ
تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ مِن أسفٍ
كما بكى لفراقِ الإلفِ هَيمانُ
عَـلى دِيـارٍ مِـنَ الإِسلامِ خالِيَةٍ
قَـد أَقـفَرَتْ وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ
حيثُ المساجدُ قدْ صارتْ كنائسُ ما
فيهنَّ إلّا نواقيسٌ وصُلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وَهْيَ جامدةٌ
حتى المنابرُ تَرثي وهْيَ عِيدانُ
يا غافلاً ولهُ في الدهرِ موعظةٌ
إنْ كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ
وماشيًا مرحًا يُلهيهِ موطنُهُ
أبَعْدَ حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ
تلك المصيبةُ أنْسَتْ ما تقدَّمها
وما لها معَ طولِ الدهرِ نِسيانُ
يا أيها الملكُ البيضاءُ رايتُهُ
أدركْ بسيفِكَ أهلَ الكُفرِ لا كانوا
يا راكبينَ عِتاقَ الخيلِ ضامرةً
كأنها في مجالِ السَّبقِ عُقبانُ
وحاملينَ سيوفَ الهندِ مُرهفةُ
كأنها في ظلامِ النَّقع نِيرانُ
وراتعينَ وراءَ البحرِ في دَعةٍ
لهمْ بأوطانهمْ عِزٌّ وسُلطانُ
أعندكم نبأٌ منْ أهلِ أندلسٍ
فقدْ سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ
كمْ يستغيثُ بنا المستضعفونَ وهُمْ
قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسانُ
ما ذا التقاطعُ في الإسلامِ بينكمُ
وأنتمُ يا عبادَ الله إخوانُ
ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ
أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ
يا مَنْ لذلةِ قومٍ بعدَ عزَّتِهِم
أحالَ حالهُمُ كفرٌ وطُغيانُ
بالأمسِ كانوا ملوكًا في منازِلِهِم
واليومَ همْ في بلادِ الكفرِ عُبدانُ
فلو تراهمْ حيارى لا دليلَ لهمْ
عليهِمُ منْ ثيابِ الذلِّ ألوانُ
ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعِهِمُ
لهالَكَ الأمرُ واستهوتْكَ أحزانُ
يا رُبَّ أمٍّ وطفلٍ حِيلََ بينهمَا
كما تُفرَّقُ أرواحٌ وأبدانُ
وطفلةٍ مثلَ حسنِ الشمسِ إذْ طلعتْ
كأنما هي ياقوتٌ ومَرجانُ
يقودُها العلجُ للمكروهِ مُكرهةً
والعينُ باكيةُ والقلبُ حَيرانُ
لمِثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ
إنْ كانَ في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ




