الأخبارالصدى الثقافي

إبراهيم العريض ينسج من خيوط الوفاء ثناءً لـ “صوت العروبة” سعاد الصباح/ كتب ا.د كريم فرمان 

الشاعرة الكويتية البارزة د.سعاد الصباح

في عالم تذبل فيه أوراق العلاقات الإنسانية سريعاً، يظل الشعر واحة تجمع القمم العربية على مشارف الوفاء والتقدير المتبادل. ومن هذه الواحات الظليلة، تبرز قصيدة الشاعر البحريني الكبير الراحل إبراهيم العريض (شاعر البحرين الكبير)؛ لتشكل وثيقة أدبية وتاريخية ناصعة في ثنائه وإعجابه بالمنجز الشعري والعطاء الإنساني الفريد للشاعرة العربية الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح.

مدحٌ في محراب العطاء

لم يكن العريض في قصيدته “طاولي كلَّ طودٍ أشمَّ..” مادحاً عابراً، بل كان شاهداً ومحللاً لظاهرة إنسانية وإبداعية غير مألوفة، حيث يفتتح الشاعر مدخله الوجداني المهيب بمزيج من الاعتزاز والفخر، واضعاً الشاعرة الكبيرة في مكانتها الإبداعية التي تستحقها.
ففي بيته الأول:

طاوِلي كُلَّ طَوْدٍ أَشَمَّ   مَا عَهِدْنَاكِ إِلاَّ كَأَمَّا

يطلق العريض صيغة الأمر “طاوِلي” المفيدة للحث والافتخار، داعياً الدكتورة سعاد الصباح أن تتسامى وترتفع لتبلغ قمم الجبال العالية (الطود الأشم). وفي الشطر الثاني، يؤكد أن هذا العلو ليس طارئاً عليها، فما عهدها الوسط الثقافي والعربي إلا في صدارة المشهد؛ كالقمة الشامخة التي لا تطاولها قمة.
ثم ينتقل في بيته الثاني ليربط هذا العلو بطموحها الفكري الصادق قائلاً:

يَا ابْنَةَ الخُلْدِ أَيُّ عَلَاءٍ   لُحْتِ مِنْهُ لِصَادِقِ حُلْمِي

إذ يناديها بلقب رفيع “يا ابنة الخُلد”، وهو وصف يربط الشاعرة بالخلود الأبدي الذي يصنعه المبدعون الكبار من خلال أثرهم الباقي. ويتساءل الشاعر تساؤل العارف المستعظم (أيُّ علاءٍ!)؛ مؤكداً أن مكانتها السامقة ورفعتها قد تجلت بوضوح لخطواتها الواثقة ولرؤيته الصادقة وقراءته العميقة لجهدها ومكانتها.

صوت الإنسان و الوطن

لقد رأى العريض في الدكتورة سعاد الصباح صوتاً للوطن، وللإنسان، وللحب، وساكنةً في قلب العروبة النابض. حيث يمضي في بقية قصيدته واصفاً نقاء سريرتها في زمن تلاطمت فيه الخطوب، ومبرزاً وعيها القومي في رفض التخلف ومحاربة انقسام الأمة، مؤكداً أن عطاءها الشعري والإنساني لم يكن ترفاً، بل كان بَلْسماً ودواءً جليلاً.
وتتجلى عبقرية العريض في رصد السمة الأبرز في مسيرتها؛ وهي انحيازها التام لقضايا الإنسان وحريته، وكيف استطاعت هذه الشاعرة الفذة أن ترفع راية العزّ، لتصبح منارة يستضاء بها في ليل العروبة الدامس.

وفاءٌ بوفاء.. وعطاءٌ لا يغيبه الغياب

 

كريم و سعاد

إن أعظم معاني الوفاء وأجملها هي تلك التي تنبت في حدائق المبدعين، وتتضاعف قيمتها حينما تكون موجهة للراحلين الذين تركوا خلفهم إرثاً لا يموت. والدكتورة سعاد الصباح، بما عُرف عنها من نبلٍ متأصل وعطاءٍ دافق، لم تقف عند حدود تلقي الثناء؛ بل بادلت الشاعر البحريني الكبير إبراهيم العريض وفاءً بوفاء.
فقد حرصت الشاعرة الكبيرة عبر مؤسساتها ومبادراتها الثقافية على تكريم اسم العريض، وإعادة إحياء نتاجه الأدبي، والاحتفاء بذكراه بعد رحيله. لتثبت للعالم أن المبدعين الكبار لا يرحلون تماماً ما دام هناك من يحمل مشعل وفائهم؛ ومثل هذا الوفاء لا يصدر إلا عن الكبار للكبار، ليبقى نموذجاً نادراً يعيد للشعر والعروبة بريقها الإنساني الخالد.

نص رائعة الشاعر البحريني الراحل إبراهيم العريض ما دحا “صوت العروبة” الشاعرة الفذة د.سعاد الصباح              

                                                           طاولي كلَّ طَوْدٍ أشمِّ

                                                             ما عهدناكِ إلا كأمِّ

                                                      يا ابنةَ الخُلْدِ أيُّ علاءٍ

                                                   لُـحْتِ منه لصادق حُلْمي

                                                حزتِ في الخَلْق وحدَكِ قلباً

                                            نَيّراً بينما الحبُّ يُعمي

تستظلّين رايةَ عِزٍّ

ولنجواكِ لألاءُ نجمِ

كيف عايشتِ أهلَ جوارٍ

خانقٍ بين خالٍ وعمِّ

كم تنادَوْا لبعض قضايا

وتمادَوْا بها دون حَسْم

لقّنتْ ضربةُ الشمسِ درساً

كلَّ رامٍ فما عاد يرمي

يا ابنةَ الخُلْدِ محضُ دعاءٍ

قدرُ اللهِ… همُّكِ هَمّي

مع تلك النوايا خُلوصاً

كالأعاصير وَسْطَ الخِضمِّ

أن تَقَرّي بدنياكِ عيناً

في الورى بين مَدْحٍ وذَمّ

لقَرارٍ كبََرقةِ مُزْنٍ

من تُسَمّين ، من لم تُسمّي

في احتجاز الأخصِّ ، سليهم:

كيف ضلّوا طريقَ الأعمِّ؟

حيث يزهو سِواهم بآتٍ

هم بماضٍ – لدورٍ أهمّ

هو عَوْدٌ على البدء ، حتى

عند من عاش غيرَ مُلِمِّ

بعُرى أمّةٍ في انفصامٍ

أيُّ دَوْرٍ يُراد لأُمّي!

ليس (ما قدّروه علاجاً

شافياً) غيرَ جُرعةِ سمّ

إنهم أمّةٌ في انقسامٍ

عَوْذُ قاضٍ وحيرةُ ذِمّي

لم يغب عنكِ ما غاب عنهم

بدّلَ القرنُ كَيْفاً بكَمِّ

هم كحادينَ خارت قُواهم

فأناخوا ورَكْبٍ أصمِّ

يا لذاكراكِ والليلُ داجٍ

أين عن مثلها بدرُ ِتمِّ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى