الأخبارالاقتصاد والتنميةتحقيقات

تمور موريتانيا بين وفرة الإنتاج وهيمنة المستورد: أزمة تسويق أم غياب رؤية وطنية؟ أحمد ولد الدوه

احمدولد الدوه/اعلامي
محرر في صحيفة الصدى الموريتانية

ليس من الطبيعي أن تكون موريتانيا بلد واحات ونخيل، وأن تمتد شهرة تمورها إلى قرون من التاريخ، ثم يجد المستهلك في أسواقها، خصوصًا خلال المواسم الرمضانية، نفسه أمام حضور قوي للتمور المستوردة من تونس والجزائر، بينما تتراجع التمور الموريتانية إلى الصفوف الخلفية.
المشكلة هنا لا تبدو، في جوهرها، مشكلة إنتاج فقط، ولا يمكن اختزالها في جودة التمور المحلية. إنها قبل كل شيء مشكلة تنظيم وتسويق وتخزين ورؤية اقتصادية متكاملة.
فموريتانيا تمتلك واحات واسعة في آدرار وتكانت وغيرها من المناطق، وتنتج أصنافًا متعددة من التمور التي تتميز بمذاقها وقيمتها الغذائية وخصوصيتها المحلية. كما تمتلك مؤسسة وطنية، هي شركة تمور موريتانيا، يفترض أن تكون إحدى الأدوات الأساسية للنهوض بهذا القطاع وتثمين منتوجه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يتحول هذا الرصيد الطبيعي والتاريخي إلى صناعة وطنية قادرة على فرض نفسها في السوق المحلية، فضلًا عن المنافسة في الأسواق الخارجية؟

المشكلة ليست في النخلة.. بل في ما بعد النخلة

تمتلك موريتانيا أصنافًا محلية ذات سمعة طيبة، من بينها السلمدينة، والمدينه، والفالحة، ولحمر، إضافة إلى منتوج «أنفاث» و**«تتكدرت»** وغيرها من التمور.
لكن جودة المنتج وحدها لا تكفي لصناعة سوق ناجحة.
فالمستهلك اليوم لا يشتري الطعم فقط؛ بل يشتري أيضًا الشكل، والتغليف، والثقة، والاستمرارية، وسهولة الوصول إلى المنتج.

وهنا تحديدًا تتفوق التمور المستوردة.
فالمنتج القادم من الخارج يصل إلى المستهلك في عبوات منظمة، وبعلامات تجارية واضحة، وبأوزان مختلفة، وبأساليب عرض جذابة، وغالبًا عبر شبكات توزيع أكثر انتظامًا.
أما المنتج المحلي، فكثيرًا ما يظل أسير الحلقة التقليدية: مزارع ينتج، ووسيط يشتري، وسوق يحدد السعر.
وبين المزارع والمستهلك تضيع نسبة كبيرة من القيمة المضافة.
شركة تمور موريتانيا.. أداة تحتاج إلى رؤية أكبر
لا شك أن إنشاء شركة تمور موريتانيا كان خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن الشركة ساهمت في شراء كميات من الإنتاج المحلي، وفي عمليات الفرز والتخزين والتعبئة.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من مجرد شراء المحصول.
المطلوب هو الانتقال من منطق التدخل الموسمي إلى منطق صناعة سوق وطنية للتمور.
وهذا يتطلب توسيع القدرات التخزينية، وإنشاء منظومة حديثة للتبريد والحفظ، وتطوير التغليف، وإطلاق علامة تجارية موريتانية موحدة، وبناء شبكة توزيع تصل إلى نواكشوط ونواذيبو ومدن الداخل، بدل أن يبقى المنتج مرتبطًا جغرافيًا بمناطق إنتاجه.
كما يتطلب الأمر إقامة شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، بدل أن تتحمل المؤسسة العمومية وحدها أعباء قطاع يمكن أن يتحول إلى مجال استثماري واعد.
حين يضطر المزارع إلى بيع محصوله بأبخس الأثمان
من أكبر مشاكل قطاع التمور أن فترة الجني قصيرة نسبيًا، بينما الطلب على المنتج يمتد طوال العام.
وهنا تظهر أهمية التخزين والتبريد والتحويل.
فعندما لا يجد المزارع القدرة على تخزين محصوله، فإنه يصبح مضطرًا إلى البيع بسرعة، حتى لو كان السعر منخفضًا.
وفي هذه الحالة لا يستفيد المزارع من قيمة منتوجه، ولا يستفيد الاقتصاد الوطني من القيمة المضافة، بينما قد يصل المنتج نفسه إلى المستهلك بأسعار أعلى بعد مروره عبر عدة حلقات من الوسطاء.
إن بناء مخازن حديثة وسلاسل تبريد ومصانع للتحويل والتعليب يمكن أن يغير هذه المعادلة بالكامل.
فالتمرة التي تباع خامًا ليست هي نفسها التمرة التي تدخل في منتج غذائي معلب، يحمل علامة تجارية، ويصل إلى الأسواق الوطنية والإقليمية.
المزارع يحتاج إلى شريك.. لا إلى موسم شراء
لا يمكن تطوير قطاع التمور بالتركيز على مرحلة ما بعد الحصاد فقط.
فالمنتج يحتاج إلى المواكبة قبل أن تصل التمرة إلى السوق.
وهذا يعني دعم المزارعين في مجالات الري، ومكافحة الآفات، وتحسين إنتاجية النخيل، وتجديد الأشجار، وتوفير الشتلات والأدوات، وتطوير المعرفة الزراعية.
كما أن التعاونيات بحاجة إلى إعادة تنظيم وهيكلة، بحيث تتحول من أطر محدودة النشاط إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على شراء مستلزمات الإنتاج جماعيًا، والتفاوض، والتخزين، والتسويق، والتعاقد مع المشترين.
فالمزارع الفردي ضعيف أمام السوق، أما المزارعون المنظمون في إطار تعاوني قوي، فيمكنهم أن يصبحوا طرفًا حقيقيًا في تحديد الأسعار وشروط البيع.
هل نحتاج إلى حماية السوق؟
نعم، ولكن ليس عبر إغلاقها.
الاستيراد ليس جريمة، والمنافسة ليست عيبًا، والمستهلك هو الطرف الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في أي سياسة اقتصادية.
لكن المنافسة الحقيقية تفترض أن تمنح المنتج المحلي فرصة عادلة للمنافسة.
وهنا يمكن للدولة أن تتدخل عبر سياسات ذكية وتحفيزية، مثل دعم التغليف والتعليب، وتوفير الحوافز الاستثمارية، وتشجيع الصناعات التحويلية، وتنظيم معارض وطنية للتمور، وإدراج المنتج المحلي في برامج التموين والمؤسسات العمومية متى استوفى شروط الجودة والسعر.
كما يمكن التفكير في آليات موسمية لتنظيم السوق، بما يحمي المزارع من الانهيار السعري خلال فترة الوفرة، دون تحميل المستهلك أعباء غير مبررة.
لماذا لا تكون التمور الموريتانية علامة وطنية؟
السؤال الأكبر ربما ليس: كيف نبيع التمور؟
بل: كيف نصنع علامة موريتانية للتمور؟
موريتانيا بحاجة إلى علامة تجارية وطنية تجعل المستهلك يعرف المنتج المحلي بمجرد رؤيته على الرف.
علامة تحمل اسم موريتانيا، وتبرز خصوصية الواحات، وتضمن معايير موحدة للجودة والتعبئة والتصنيف.
عندها يمكن أن يصبح اختلاف الأصناف والمناطق عنصر قوة، بدل أن يكون سببًا في تشتت المنتج.
فتمور آدرار يمكن أن تحمل هوية، وتمور تكانت يمكن أن تحمل هوية، لكن الجميع يلتقي تحت مظلة واحدة: التمرة الموريتانية.

من منتج موسمي إلى صناعة وطنية

قطاع التمور قادر على أن يكون أكثر من مجرد نشاط زراعي موسمي.
إنه مجال يمكن أن يخلق فرص عمل في الزراعة، والتخزين، والنقل، والتعبئة، والتعليب، والتسويق، والصناعات الغذائية، والسياحة الواحية.
ويمكن أن يتحول إلى مصدر دخل مستدام لآلاف الأسر في مناطق الواحات، إذا انتقلنا من التعامل مع التمور باعتبارها محصولًا موسميًا إلى التعامل معها باعتبارها سلسلة اقتصادية متكاملة.
والأهم من ذلك أن نجاح هذا القطاع سيعطي رسالة أوسع: مفادها أن موريتانيا قادرة على تحويل مواردها المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بدل الاكتفاء بإنتاج المادة الخام أو استيراد المنتجات الجاهزة.
الخلاصة.. المشكلة ليست في التمرة
المشكلة ليست في النخلة الموريتانية، ولا في مذاق التمرة المحلية، ولا في غياب المنتج.
المشكلة في المنظومة المحيطة بالمنتج.
لدينا الواحات، ولدينا النخيل، ولدينا أصناف محلية، ولدينا مزارعون يمتلكون خبرة متوارثة، ولدينا مؤسسة وطنية معنية بالقطاع.
لكن ما ينقصنا هو التكامل بين الإنتاج والتخزين والتحويل والتسويق والتمويل والترويج.
فالمنافسة ليست عيبًا، والاستيراد ليس المشكلة في حد ذاته، لكن من غير المقبول أن تتراجع التمرة الموريتانية في سوقها الوطنية بينما تمتلك البلاد كل مقومات إنتاجها وتطويرها.
إن الرهان الحقيقي ليس على منع التمور التونسية أو الجزائرية، وإنما على جعل التمرة الموريتانية قادرة على منافستهما داخل السوق الموريتانية، ثم الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وحين يصبح المزارع قادرًا على بيع منتوجه بسعر عادل، والمستهلك قادرًا على شراء تمرة موريتانية جيدة بسعر منافس، والمستثمر قادرًا على إنشاء مصنع للتعليب والتحويل، عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا نبني صناعة وطنية حقيقية.

فموريتانيا لا تحتاج إلى مزيد من النخيل فقط، بل تحتاج إلى رؤية تجعل من النخلة ثروة، ومن التمرة منتجًا، ومن المنتج المحلي قوة اقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى