القارة اللاتينية بين إيقاع النسر ورقصة السامبا / بقلم الكاتبة الإماراتية يسرا عادل

التاريخ اللاتيني لا يسير كالسهم، بل كالنهر؛ يلتف، يصطدم، يتراجع، ثم يجد مجراه من جديد. وربما يكون درس هذه القارة أن من يظن أنه امتلكها لأنه ربح صناديقها، لم يفهم بعد أن الشعوب قد تمنحك صوتها، لكنها لا تمنحك قلبها إلى الأبد…
حين تتبدّل الخرائط، لا تتحرك الحدود دائماً؛ أحياناً يكفي أن تتغير البوصلة. وهذا ما يحدث اليوم في أميركا اللاتينية: الأرجنتين مع خافيير ميلي، كولومبيا مع أبيلاردو دي لا إسبرييلا، وإكوادور وتشيلي والبيرو في فضاء يميل يميناً، فيما تقف البرازيل مع لولا دا سيلفا، والمكسيك مع كلوديا شينباوم، والأوروغواي مع ياماندو أورسي، كشواهد على أن اليسار لم يغادر القارة.
لكن قراءة المشهد باعتباره انتصاراً نهائياً لليمين ستكون استعجالاً للتاريخ. فأميركا اللاتينية ليست أوروبا أخرى عبر الأطلسي. خلفها تاريخ مختلف من الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية والفقر وعدم المساواة واقتصادات الريع وتدخلات القوى الكبرى. لذلك لا يتحرك ناخبها على خط أيديولوجي مستقيم؛ إنه ينتخب من يعده بالأمن والخبز والكرامة والسيادة، ثم يسحب منه التفويض حين يشعر أن الوعد صار عبئاً. ولهذا تبدو القارة أقرب إلى بندول سياسي منها إلى بيت أيديولوجي ثابت.
التاريخ شاهد. صعدت “الموجة الوردية” مع هوغو تشافيز ولولا ونستور كيرشنر وإيفو موراليس، ثم جاءت موجة يمينية، قبل أن تعود قوى يسارية مع لولا وغابرييل بوريك وغوستافو بيترو

وياماندو أورسي وكلوديا شينباوم.
واليوم انقلب المشهد مجدداً؛ فبعدما كانت دول عديدة من أميركا الجنوبية محكومة باليسار في 2022، أصبحت الأرجنتين وكولومبيا وتشيلي والبيرو تحت حكومات يمينية أو يمين متطرف. لكن هذا لا يثبت أن الناخب أصبح يمينياً؛ قد يثبت أنه أصبح أكثر قسوة في معاقبة السلطة.
وتكشف البرازيل ذلك بوضوح: ففي أحدث استطلاعات لانتخابات تشرين الأول/ أكتوبر الرئاسية، يتقدم لولا على فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى بـ42.4% مقابل 28.7%، وفي جولة الإعادة 48% مقابل 39.1%.
الانتخابات الرئاسية البرازيلية ستكون في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026 للجولة الأولى، وإذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلوبة، تُجرى جولة الإعادة في 25 من الشهر ذاته. اليمين قوي، لكنه لم يحسم حتى الآن أكبر ساحات القارة.
وفي المكسيك والأوروغواي، بقي اليسار قادراً على الاحتفاظ بالسلطة. أما الأرجنتين، فيقدم ميلي نموذجاً مختلفاً: يمين اقتصادي جذري، وسياسياً أحد أقرب حلفاء ترامب في الجنوب. وهكذا لا يكفي أن نسأل من يحكم؛ الأهم أن نسأل لماذا يحكم، ومتى ينتهي مفعول الوعد؟
وهنا تصبح البرازيل أكثر من دولة يسارية؛ تصبح ميزان القارة. فلولا لا يستطيع إيقاف اليمين، لكنه يستطيع منعه من احتكار تعريف أميركا اللاتينية. وحين رفضت برازيليا منح تأشيرات لمسؤولين أميركيين خشية التشكيك في نزاهة انتخاباتها، ثم ردت واشنطن في 4 آب/أغسطس بإلغاء تأشيرة السفيرة البرازيلية ماريا لويزا ريبيرو فيوتي، بدا الخلاف أبعد من ورقة ديبلوماسية. فقد ربطت واشنطن الخطوة أيضاً بتأخر برازيليا في اعتماد مرشح ترامب سفيراً لديها، فيما اعتبرت الحكومة البرازيلية التصعيد عدائياً وتدخلاً في شؤونها. وفي الخلفية، يقف ترامب مؤيداً لفلافيو، بينما ذهب الرئيس الأرجنتيني ميلي إلى البرازيل لدعم حملته؛ فتتحول الانتخابات البرازيلية إلى اختبار عابر للحدود بين اليمين اللاتيني الصاعد والقوة التي تستطيع أن تمنع تحوله إلى قدر للقارة.
لكن ماذا بعد اليمين؟
هنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز صناديق الاقتراع. فالمستقبل لن يحسمه عدد الرؤساء اليمينيين، بل قدرتهم على تحويل شعارات الأمن والسوق والسيادة إلى وظائف ونمو وعدالة. وإذا فشلوا، فلن تعود بالضرورة نسخة اليسار القديم؛ قد يولد يسار جديد، أقل أيديولوجية، أكثر وطنية، وأكثر قدرة على الجمع بين السوق والحماية الاجتماعية. فالناخب الذي عاقب اليسار لا يمنح اليمين شيكاً على بياض.
لهذا قد تكون البرازيل نقطة الفصل. فإما أن ينجح اليمين في تحويل موجته الانتخابية إلى عصر سياسي، أو تعود أميركا اللاتينية إلى عادتها القديمة: إسقاط الأيديولوجيات حين تفشل في ملامسة حياة الناس. وبين واشنطن وبرازيليا، لا تُكتب فقط نتيجة انتخابات؛ بل يُختبر اتجاه قارة كاملة.
فالتاريخ اللاتيني لا يسير كالسهم، بل كالنهر؛ يلتف، يصطدم، يتراجع، ثم يجد مجراه من جديد. وربما يكون درس هذه القارة أن من يظن أنه امتلكها لأنه ربح صناديقها، لم يفهم بعد أن الشعوب قد تمنحك صوتها، لكنها لا تمنحك قلبها إلى الأبد.
المصدر: الكاتبة + النهار اللبنانية




