أنا طريق الأمل…وهذه رسالتي المفتوحة إلى السلطات! / بقلم : محمد الأمين الفاضل

المصدر : الكاتب /
أنا طريق الأمل، عمري نصف قرن، وطولي يزيد على ألف ومائة كلم، وأربط بين العديد من الولايات الموريتانية، واعتبر بحق شريان حياة في هذه البلاد. أكتب لكم اليوم لأكسر جدار الصمت المؤلم الذي استمر لعقود، والذي لم أعد قادرا على تحمل المزيد منه، وأنا أشاهد يوميا أرواحا تزهق على ظهري وعلى جنباتي، وقد كان بالإمكان أن تكتب لها الحياة لو توقفتُ عن صمتي القاتل للحظة، وخاطبتُ كل الذين قضوا على إسفلتي بما كان يجب عليَّ أن أخاطبهم به، لحظات قليلة قبل حدوث الفاجعة.
بدءا اسمحوا لي أن أقول لكم إن كثيرا من الحوادث المميتة التي تقع فوقي أو على جنباتي، ما كان لها أن تقع لو أنني نطقت بالتحذير المناسب، للشخص المناسب، في التوقيت المناسب. لقد كنتُ أرى الخطر القاتل ـ والذي لا يراه السائق ـ ماثلا أمام عيني، وكنتُ عاجزا عن إرشاد السائق أو تحذيره في اللحظة القصيرة الفاصلة بين الحادث والوقاية منه، فكم تمنيتُ أن أخاطب السائق قائلا: خفف السرعة، فأنت قريب جدا من حفرة قاتلة.. انتبه هناك ألسنة رملية.. تمهل فهذا قطيع من الماشية سيعبر الطريق…احذر من الشاحنة المتعطلة على بعد 500 متر.
إن أكثر ما كان يؤلمني خلال نصف قرن مضى من عمري، هو أني كنتُ أرى الخطر، ولكني لم أكن قادرا على تنبيه السائق في اللحظة الحاسمة، لم أكن قادرا على ذلك، فانا كنتُ ضحية لعجزي عن النطق، ومع ذلك فلا يتردد بعضكم في تحميلي مسؤولية الحوادث، بل إن من بينكم من أصبح يطلق عليَّ طريق الألم بدلا من طريق الأمل.
إنكم تظلمونني بهذا اللقب الجائر، فأنا ضحية مثلكم، وكم كان بودي ألا أكون سببا في نزيف دمائكم على إسفلتي، ولكن تعطل لغة الحوار بيني وبينكم، منذ أن بدأت في الظهور في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحتى اليوم، كان من أهم أسباب ذلك النزيف.
إن للطرق لغتها التي تخاطب بها سالكيها ومستخدميها، وتتمثل هذه اللغة في الإشارات التحذيرية والإرشادية التي توضع على الشواخص الطرقية، وتتمثل كذلك في الخطوط البيضاء غالبا، متصلة كانت أو متقطعة، التي ترسم على تلك الطرق.
يؤسفني حقا، أن أقول لكم إنه من النادر جدا أن أزود بهذه الشواخص التي تجعلني قادرا على مخاطبتكم كلما كانت هناك ضرورة لذلك، وكثيرا ما تكون هناك ضرورة لذلك، وهذه مشكلة حقيقية يجب أن تحلَّ، ولكن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن السائق، لا يفهم أو لا ينتبه أصلا للإشارات التي توجد على الشواخص، في الحالات القليلة والنادرة جدا التي يُثَبَّت فيها بعض تلك الشواخص على جنباتي.
هناك بالفعل تحدٍّ كبير على مستوى السلامة الطرقية من وجهين، فمن جهة فلا أنا زُودت بالشواخص الطرقية لأنقل من خلالها رسائلي التحذيرية والإرشادية إلى السائقين، ومن جهة أخرى، فإن أغلب السائقين لا يفهمون لغة الشواخص، ومن يفهمها منهم قد لا ينتبه لها في الحالات النادرة جدا التي تُثبَّت فيها شواخص هنا أو هناك على الطريق.
إن مما يؤلمني حقا، أن توفير معلومة بسيطة واحدة قد يقي من حادث سير مميت، لو وصلت تلك المعلومة إلى السائق ثوانٍ قليلة قبل حدوث الكارثة، ولكن، وللأسف، لا تجد هذه المعلومة من يحرص على توفيرها للسائق قبل فوات الأوان، وهذه هي إحدى أهم مشاكلي التي لا تجد من يتحدث عنها. إني بحاجة لمن يُسمع صوتي للسائق في الوقت المناسب، ولعل الخبر المفرح جدا في هذا المجال، والذي جعلني أوجه هذه الرسالة المفتوحة إلى السلطات المعنية، هو أني تابعتُ مؤخرا، مساء السبت 8 أغسطس، من أمام المجسم التوعوي الذي شيدته حملة معا للحد من حوادث السير عند الكلم 44، مهندسا في البرمجيات، وعضوا في الحملة، يتحدث عن “تطبيق سلامتي” الذي سيكون بإمكانه إذا فُعِّل، أن يسمع صوتي، ويقدم للسائق المعلومة الذهبية التي بإمكانها أن تنقذه من حادث وشيك.
ولعل الأجمل في حديث المهندس الشاب، هو أن “تطبيق سلامتي” يضع حلا جذريا لمشكلة غياب الشواخص على جنباتي، ولمشكلة أخرى أعمق، تتمثل في عدم فهم السائق للرسائل التحذيرية والإرشادية التي تبعث بها الشواخص إن وُجدت.
إن “تطبيق سلامتي” يتجاوز كل تلك المشاكل، فيقول للسائق وبلغته التي يتحدث بها يوميا، ومن دون أن تكون هناك حاجة إلى الانترنت: انتبه أمامك خطر.
قديما قالت العرب: “الرفيق قبل الطريق”، وأنا طريق الأمل أقول لكم اليوم: “التطبيق قبل الطريق”. إن الرفيق الذكي في السفر أصبح من أهم وسائل السلامة الطرقية في ظل ما يشاهده العالم من تطور في تكنولوجيا الرقمنة وأدوات الذكاء الاصطناعي، ولذا فإنني أدعو السلطات المعنية ـ من خلال هذه الرسالة المفتوحة ـ إلى المسارعة في التعاون مع حملة معا للحد من حوادث السير لإكمال وتفعيل تطبيق سلامتي البالغ الأهمية، وعندما يُفَعَّل هذا التطبيق، فإنه سيسهم بإذن الله في الحد من حوادث السير، وفي إنقاذ أرواح كان يمكن أن تزهق بسبب غياب توفير المعلومة الذهبية في اللحظة المناسبة.
رجاءً لا تؤجلوا تفعيل هذا التطبيق، فتأجيل تفعيله يعني إزهاق المزيد من الأرواح، وإتلاف المزيد من الممتلكات، ومن المؤكد أن سالكي الطرق ليسوا بحاجة إلى إزهاق المزيد من أرواحهم، ولا لإتلاف المزيد من ممتلكاتهم.
ولأني لا أكتب في كل يوم رسالة مفتوحة، فلتسمحوا لي في ختام هذه الرسالة الأولى من نوعها، أن أذكركم ببقية مطالبي:
1 ـ المسارعة في تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)؛
2 ـ الصرامة في منع الحمولة الزائدة، فالحمولة الزائدة هي التي تعجل بتهالكي
3 ـ توفير صيانة دائمة ومستمرة، ولا أخفيكم أني سعيد جدا بأني قد عشتُ في الفترة الأخيرة ترميما شاملا، لم أعرف له مثيلا من قبل، وهذا الترميم الشامل يحتاج إلى صيانة دائمة ومستمرة، حتى لا تظهر من جديد مقاطع متهالكة، كما كان يحدث في الماضي.
4 ـ إكمال منظومة التدخل الطبي السريع، وهنا لابد أن أشيد أولا بالعدد المعتبر من سيارات الإسعاف التي نشرت في السنوات الأخيرة على المحاور الطرقية، مع العلم أنه لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير قبل يوم 09 ديسمبر 2019، وفي ذلك اليوم نُشرت أول ثلاث سيارات إسعاف على طريق الأمل، وقد استدعيت الحملة لهذا الحدث المهم، وكانت الحملة قد سلمت قبل ذلك بأشهر عريضتها المطلبية لفخامة الرئيس، وكان المطلب الثاني في العريضة يتعلق بنشر سيارات إسعاف على المحاور الطرقية خاصة بضحايا حوادث السير.
لقد كان نصيبي من سيارات الإسعاف معتبرا، وحتى تكتمل منظومة التدخل السريع، فإني أطالب بإنشاء عدة وحدات تدخل مزودة بآليات ثقيلة، تتدخل عند سقوط شاحنة على الطريق فتغلقها لساعات طوال، أو عند سقوط شاحنة على سيارة صغيرة، فيكون من الصعب الوصول إلى الضحايا وإنقاذهم في الوقت المناسب. كما أطالب أيضا بتوفير مروحية للتدخل الطبي السريع، للتعامل مع الحوادث التي يكون عدد المصابين فيها كبيرا، والتي تقع في مقاطع من الطريق بعيدة من المستشفيات الكبيرة؛
5 ـ توحيد الهوية البصرية لنقاط التفتيش الموجودة على المحور الطرقي الخاص بي، وعلى بقية المحاور الطرقية، فتوحيد تلك الهوية سيمنح لنقاط التفتيش المزيد من الهيبة، وسيعطي لطرقنا منظرا لائقا، فلم يعد من المناسب أن يكون مقر نقطة تفتيش أمنية عريشا متهالكا، أو أن تضع نقطة تفتيش اخرى غصن شجرة يابس أو عجلات متهالكة أو بعض الحجارة لتنبيه السائقين على وجودها.
وفي الختام، فإني أنا طريق الأمل، أعلن من خلال هذه الرسالة المفتوحة، أني عينتُ حملة معا للحد من حوادث السير ناطقا رسميا باسمي، كما كلفتها بإيصال هذه المطالب الخمسة إلى السلطات المعنية، ومتابعتها، حتى يتم تنفيذها بشكل كامل.
نواكشوط: 14 أغسطس 2026
كتبه باسم طريق الأمل، أحد سالكي هذا الطريق منذ عقود، ومنسق حملة معا للحد من حوادث السير، الناطق الرسمي باسم طريق الأمل.
الصورة من مهندس البرمجيات وعضو الحملة محمد الحافظ الشيخ، ملتقطة يوم 8 أغسطس من أمام المجسم التوعوي، خلال تقديمه لتطبيق سلامتي على هامش النشاط المخلد للذكرى العاشرة لانطلاق الحملة.
حفظ الله موريتانيا..
محمد الأمين الفاضل
Elvadel@gmail.com




