إبن الأنبار. : أ.د كريم فرمان يكتب : السكين المسموم .. لماذا يرفض أبناء الأنبار ونخب العراق خديعة “الأقلمة والتقسيم”؟

المصدر : الكاتب /
في عمق التاريخ، حيث تمتد جذور هذه الأرض لأكثر من سبعة آلاف عام، لم يكن العراق مجرد خارطة جغرافية خطتها أقلام العابرين، بل كان صرحًا شامخًا بناه الأجداد بدمائهم وعرقهم. نحن الذين عشنا وتعايشنا في ظلاله، وكتبنا أشعارنا ورواياتنا تيمُنًا بترابه، وفاضت أقلامنا بفخر الانتماء إليه، لن نقف اليوم مكتوفي الأيدي ونحن نرى بضعة أنفار طارئين على المشهد السياسي والتاريخي يحاولون نحر هذا الجسد العظيم لحسابات ضيقة ومقاصد مجهولة.
إن الأفكار المطروحة اليوم خلف الكواليس وفي الغرف المظلمة حول “أقلمة العراق” وطرح مشروع “الإقليم السني” ليست مشروعًا للإنقاذ، بل هي السكين المسموم الذي يُراد به ذبح العراق من الوريد إلى الوريد.
نعم، ندرك جميعًا حجم المعاناة. نعم، هناك تهميش حقيقي، وظلم تراكمي، ومحاولات مستمرة لإقصاء مكونات أساسية عن دفة القرار وصناعة المستقبل. لكن، منذ متى كان علاج المريض هو قتله؟ ومن قال إن الرد على اختلال موازين السلطة يكون بتفتيت هذا البلد العظيم وتأصيل الفرقة؟
بدلًا من هذا الطرح الانتحاري الذي يحاكي بوابات التفتيت الخلفية، هناك مسارات وطنية شجاعة تحمي قلب العراق النابض وتضمن حقوق الجميع.
ولقد تعالت أصوات وطنية مخلصة، كالتي طرحتها وزيرة الاتصالات السابقة الدكتورة هيام الياسري في حملتها الكبرى والمطالبة بضرورة إعادة كتابة الدستور، وتعديل أو تغيير شكل النظام السياسي الذي أثبت عقمه، إلى جانب تجفيف منابع الفساد التي نخرت مؤسسات الدولة. هذا هو المسار الشرعي والإصلاح الشجاع الذي يرتكز على مواجهة الخلل الإداري والبنيوي، لا الهروب نحو تمزيق الخارطة. أما الذهاب نحو الأقلمة، فهو الجرم المشهود، والقتل العمد مع سبق الإصرار لوطن لا يحتمل التشظي.
إنني أتحدث اليوم بصفتي ابنًا للأنبار، تلك المحافظة الشامخة التي يعلم الجميع أنها أسهمت عبر التاريخ في إرساء لبنات العراق الحديث وحماية هويته الوطنية. لست وحدي في هذا الميدان، بل تقف معي آلاف النخب الثقافية والاجتماعية والسياسية من أبناء الأنبار والعراق، الذين يرفضون دغدغة العواطف وتغييب العقل للاستسلام لمشاريع التقسيم والمشاريع المستوردة.
إن الإصلاح مطلب مشروع، ومواجهة الظلم واجب وطني، والتغيير السياسي السلمي هو طريقنا للاستقرار. افعلوا أي شيء، جادلوا، تظاهروا، طالبوا بحقوقكم، فكل العثرات في مسار السياسة قد تكون مغفورة، إلا المساس بوحدة العراق وسيادته.
إلى أولئك الذين يبحثون عن مغانم شخصية على حساب تمزيق الوطن، نقولها بملء الفم وبصوت النخب الحرة: نموت ولا نرى عراقنا الذي عاهدناه ينكسر. هذا عراق العراقيين من شماله إلى جنوبه، فإما أن تعملوا على إصلاحه بصدق، أو غادروا مشهده.. فلا مكان لسكاكينكم في جسد الرافدين.




