الأخبارالرأيالصدى الثقافي

بائعةُ الإرثِ وصانعةُ العقول: فاطمة الفهرية اسست جامعة تعلم فيها بابا الفاتيكان وشكلت وجدانَ العالم”؟ / كتب ا.د كريم فرمان

حين يلتفت التاريخ صوب البدايات الكبرى للأكاديميات الحاضرة اليوم، تتوجه الأنظار تلقائيًا نحو مدينة فاس وليس اتجاه ضفاف أكسفورد وكمبريدج وجامعة بولونيا. أن الحقيقة التاريخية الموثقة في سجلات اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية تخبرنا بنبأ آخر؛ فقبل أن تُبنى تلك الصروح الأوروبية بقرون، وقفت امرأة عربية مسلمة في القرن التاسع الميلادي (245 هـ / 859 م) لتضع حجر الأساس لأول جامعة تمنح درجات علمية في تاريخ البشرية: جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية إنها السيدة فاطمة الملقبة بـ “أم البنين”.

لم تكن قصة فاطمة الفهرية مجرد حادثة تبرع عابرة، بل كانت فلسفة ريادة حضارية، وفعل تمرد واعد على الاستهلاك، رسمت من خلاله المرأة العربية ملامح النهضة العلمية الإنسانية من موقع القيادة والفعل.

 

القرار غير المطروق: من ترف الثروة إلى صوم البناء

بعد أن هاجرت فاطمة الفهرية مع عائلتها من القيروان إلى فاس، واجهت منعطفات قاسية بوفاة والدها الفقية وزوجها وشقيقها في فترة وجيزة فورثت السيدة الفهرية وأختها مريم ثروة طائلة. وهنا تكمن المفارقة غير المطروقة في سيرتها، في وقت كان يمكن للثروة أن تقودها نحو حياة القصور والترف، أدركت الفهرية بعقلها الاستراتيجي أن زوال الدول وهلاك المجتمعات يبدأ من غياب المعرفة، وأن خلود الأثر لا يكون إلا بالاستثمار في العقول.

 

اتخذت فاطمة القرار الحاسم، تسييل واستثمار كل ما ملكت من إرث، بل وتشير الروايات إلى أنها لم تكتفِ بمالها بل استدانت لإتمام هذا المشروع الضخم حتى لا يتوقف العطاء،فلم تكن مجرد ممولة للمشروع؛ بل نزلت إلى أرض الموقع بنفسها بعد أن اشترت الأرض من رجل من قبيلة هوارة واشترطت شرطًا عجيبًا يعكس دقتها وإخلاصها بأن تؤخذ مواد البناء كالحجر والجص والتراب من الأرض نفسها التي اشترتها لضمان طهارة البناء وشرعيته المطلقة ونذرت أن تظل صائمة طوال فترة البناء، التي امتدت لنحو 18 عامًا، حتى رُفع الأذان الأول وضمنت تدفق مياه الآبار التي حفرتها بنفسها في صحن الجامع.

 

 الزلزال الثقافي: من مسجد محلي إلى عاصمة العقول العالمية

تحول هذا الصرح سريعًا من مكان للعبادة إلى مؤسسة أكاديمية عالمية صاغت وجدان العصور الوسطى وعصر النهضة. لم تكن جامعة القرويين تدرس الفقه والشريعة فحسب، بل فتحت أبوابها لعلوم الفلك، والطب، والرياضيات، والكيمياء، والتاريخ، والموسيقى.

امتد التأثير الثقافي للقرويين ليكون جسرًا حقيقيًا بين الشرق والغرب من خلال : 

* تخريج العباقرة: في أروقتها، صاغ [ابن خلدون نظرياته التأسيسية في علم الاجتماع وفلسفة التاريخ.

* إشعاع الفلسفة والطب: درس فيها الفيلسوف الطبيب ابن رشد، والجرّاح الشهير ابن زهر وجغرافي الزمان الادريسي الذي رسم أول خريطة دقيقة للعالم.

* ملتقى الأديان: لم تكن الجامعة حكرًا على المسلمين؛ بل كانت حاضنة للتنوع الإنساني، فدرسفيها الفيلسوف والطبيب اليهودي الشهير [موسى بن ميمون].

 

الغرب في رحاب الفهرية: شهادات من مؤرخي وأباطرة أوروبا

لقد بهر المنجز العلمي لجامعة القرويين عقول الغرب في العصور المظلمة، وتحولت فاس إلى كعبة يقصدها طلاب المعرفة من أوروبا. ولعل أبرز هؤلاء الرواد كان المستشرق الفرنسي والراهب “جيربرت دي أوريلاك”، الذي لم يجد مكانًا يروي ظمأه العلمي سوى القرويين. تعلم هناك علوم الحساب والرياضيات والفلك العربي، ونقل الأرقام العربية (الغبارية) والصفر إلى أوروبا، وعندما عاد، رُسم حبرًا أعظم للكنيسة الكاثوليكية وتولى منصب البابوية باسم البابا سيلفستر الثاني (999-1003 م).

وقد حفلت أدبيات علماء ومؤرخي الغرب بالإشادات بهذا الإرث الحضاري:

* يقول المستشرق والمؤرخ الفرنسي إيفاريست ليفي بروفنسال: “إن القرويين لم تكن مجرد جامعة للمغرب العربي، بل كانت منارة الفكر الإنساني التي أضاءت ظلمات القرون الوسطى في أوروبا، ووفرت نظامًا أكاديميًا صارمًا ألهم الجامعات الغربية اللاحقة في تنظيم كلياتها وشهاداتها العلمية”.

* ويذكر المؤرخ الإنجليزي [روم لاندو] في كتابه “المغرب”: “إن فاس بفضل جامعة القرويين كانت تعيش عصرًا ذهبيًا من التسامح الفكري والعمق العلمي، في وقت كانت فيه أوروبا تتلمس طريقها في الجهل. إن إرث فاطمة الفهرية هو حجر الزاوية في بناء الجسر المعرفي بين الشرق والغرب”.

* كما تؤكد المستشرقة الألمانية [زيغريد هونكه] في كتابها الشهير “شمس العرب تسطع على الغرب”: “إن حرية البحث العلمي وتنوع المناهج التي أسست لها مؤسسات كالقرويين هي التي علمت أوروبا كيف تفكر تفكيرًا علميًا حرًا، وإن فضل هذه السيدة المسلمة على الثقافة العالمية لا يمكن نسيانه”.

 

مكانة المرأة العربيةالمسلمة شريكة التأسيس من موقع القيادة

تقدم لنا تجربة فاطمة الفهرية -وشقيقتها مريم التي بنت جامع الأندلس في نفس الفترة- قراءة مغايرة تمامًا للمفهوم السائد عن مكانة المرأة العربية والمسلمة في التاريخ، فلم تكن المرأة في ذلك العصر مستهلكة للثقافة أو قاطنة في ظلال الهامش؛ بل كانت صانعة للسياسة التعليمية، ومستثمرة في البنية التحتية للحضارة، وموجهة للوعي العام.

إن الفهرية لم تبنِ مستشفى أو ملجأ (رغم نبل هذه الأعمال)، بل اختارت “الجامعة”، وهي المؤسسة السيادية العليا لإنتاج المعرفة وتوجيه الفكر. هذا القرار يثبت أن المرأة العربية كانت شريكة في صياغة الهوية الحضارية من موقع القيادة والفعل والتأثير العابر للقارات والقرون.

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

خـــــــــــــاتمة :

كلما قادتني خطاي نحو زقاق من أزقة فاس العتيقة، ووقفت زائرًا متأملًا في رحاب جامعة القرويين، حيث يمتزج صرير أقلام العلماء بعبق التاريخ المتسلل من الجدران والنقوش الأندلسية، تزداد قناعتي وتترسخ عقيدتي بأن المرأة العربية لم تكن يومًا على هامش التاريخ، بل كانت شريكة أصيلة في كل منجزات العرب والمسلمين، متحدثة من موقع القيادة، ومتصرفة من قلب الفعل الحضاري. إن انسياب تراتيل العلم في أقدم جامعات الأرض منذ أكثر من ألف عام، ليس إلا صدى لصوت امرأة آمنت بأن المال يفنى، وأن المباني قد تتداعى، لكن العقول المعمرة بالمعرفة هي الحصن الحصين الذي لا يموت؛ لتبقى فاطمة الفهرية حية في وجدان كل طالب علم على وجه الأرض.

 

المصدر : الكاتب 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى