أخبار موريتانياالأخبارالاقتصاد والتنميةتحقيقات

أزمة “إسمنت” صامتة في نواكشوط.. الكهرباء تعود والمصانع تتعافى والسوق يدفع الثمن

الصدى – تقرير إخباري/ 

لم تنتهِ تداعيات أزمة الكهرباء التي ضربت العاصمة نواكشوط خلال الأسابيع الماضية بمجرد عودة التيار إلى أجزاء واسعة من الشبكة، إذ امتدت آثار الاضطراب إلى قطاعات إنتاجية أخرى، من بينها صناعة الإسمنت، التي شهدت خلال الفترة الأخيرة نقصاً ملحوظاً في المعروض، انعكس على حركة البناء والأسعار وفتح الباب أمام ما وصفه متعاملون في السوق بممارسات المضاربة.

 

وتأتي هذه التطورات في أعقاب الحرائق التي اندلعت في محطتي التحويل الشرقية والشمالية بنواكشوط، وما رافقها من اضطرابات واسعة في إمدادات الكهرباء. وقد أعلنت السلطات لاحقاً عودة الخدمة تدريجياً، غير أن القطاع الصناعي، ومنه مصانع الإسمنت، ظل – وفق معطيات متداولة في السوق – يواجه آثار الاضطراب حتى بعد تحسن وضعية الشبكة.

 

عودة الكهرباء لم تكن تعني عودة الإنتاج !!

 

وتشير المعطيات المتداولة في أوساط العاملين في سوق مواد البناء إلى أن مصانع الإسمنت لم تستعد، مباشرة بعد تحسن الكهرباء، مستويات الإمداد الكهربائي التي تحتاجها لاستعادة كامل طاقتها الإنتاجية، وهو ما ساهم في استمرار تعطل أو تباطؤ بعض عمليات الإنتاج، وبالتالي انخفاض الكميات المتاحة في السوق.

 

ولا يتعلق الأمر، وفق هذه الرواية، بانقطاع كهربائي شامل ومستمر، وإنما بتداعيات مرحلة اضطراب سابقة انعكست على انتظام الإنتاج والتزويد، وهو ما جعل عودة الكهرباء إلى الشبكة لا تعني بالضرورة عودة مصانع الإسمنت إلى طاقتها الطبيعية في اليوم نفسه.

 

وكانت تقارير محلية قد ربطت بين نقص الإسمنت والاضطرابات التي شهدها قطاع الكهرباء، فيما تحدث متعاملون في السوق عن صعوبة الحصول على المادة وتراجع الكميات المتاحة أمام الطلب.

 

نقص المعروض يفتح الباب أمام المضاربة

 

وخلال الأيام الماضية، شهدت  سوق الإسمنت في نواكشوط  نقصا حادا في المعروض، وصل – بحسب شهادات نقلتها وسائل إعلام محلية – إلى حد شبه الندرة في بعض الأحيان، الأمر الذي أدى إلى تعطل أعمال عدد من العاملين في البناء وتراجع حركة البيع والشراء.

 

وبحسب افادات بعض مرتادي سوق الاسمنت ، ارتفع سعر كيس الإسمنت في بعض نقاط البيع من  2800  أوقية قديمة إلى نحو 3500 أوقية، مع تسجيل أسعار أعلى في بعض الحالات. وهذه الأرقام تؤكد حجم المضاربات التي حدثت في السوق بسبب ندرة الاسمنت ، وقد تتضاعف في مناطق أخرى خاصة في المناطق الداخلية من البلاد، 

 

ومع تقلص المعروض واستمرار الطلب، برزت بيئة مواتية للمضاربات، خصوصاً مع صعوبة حصول المقاولين والعمال والأفراد على الكميات التي يحتاجونها لاستمرار أعمال البناء.

 

خاصة أن بعض المقاولين ملتزم بتسليم اشغاله بتاريخ محدد والا سيتعرض لغرامات التأخير وبالتالي يجد نفسه مصطرا لشراء الأسمنت بأي سعر يمكنه من إكمال اشغاله في الأجل المحدد في عقد العمل 

الوزارة: الإنتاج عاد إلى طبيعته والمخزون كافٍ

 

وفي أحدث تطور رسمي للملف، أعلنت وزارة المعادن والصناعة، أمس الجمعة ، أن مصانع الإسمنت في البلاد استعادت وتيرة إنتاجها الطبيعية بعد الاضطرابات التي شهدها قطاع الكهرباء خلال الأسابيع الماضية.

 

وقال الأمين العام للوزارة، أبات مدو بلال، عقب زيارة ميدانية لعدد من مصانع الإسمنت، إن المعاينة أظهرت عودة النشاط الإنتاجي إلى طبيعته، مؤكداً توفر مخزونات من الإسمنت تضمن استمرارية الإنتاج وانتظام تموين السوق الوطنية.

 

كما أكدت الوزارة أن أسعار الإسمنت مستقرة، وأن المعاينة التي أجرتها لم تسجل حالات مضاربة، مع التأكيد على أن قطاعي المعادن والصناعة والتجارة والسياحة سيتعاملان مع أي بلاغ يتعلق بالمضاربة أو الزيادات غير المبررة.

 

وتطابقت إفادات مسؤولي عدد من شركات الإسمنت، وفق الوكالة الموريتانية للأنباء، على استمرار الإنتاج والتموين وعدم تسجيل زيادات في أسعار منتجاتها.

 

بين الرواية الرسمية و واقع السوق!!

 

ويكشف هذا التباين بين المعطيات الرسمية والشهادات القادمة من السوق عن حاجة الملف إلى متابعة دقيقة خلال الأيام المقبلة.

 

فالوزارة تقول إن الإنتاج عاد إلى طبيعته وإن المخزونات كافية والأسعار مستقرة، في حين كانت تقارير ميدانية سابقة قد تحدثت عن نقص حاد في المعروض وارتفاعات في أسعار البيع وتعطل أعمال البناء.

 

وبين الروايتين، تبدو المسألة مرتبطة بسلسلة إمداد تحتاج إلى مراقبة مستمرة: من الكهرباء التي تغذي المصانع، إلى القدرة الإنتاجية، ثم النقل والتوزيع وصولاً إلى نقاط البيع والمستهلك النهائي.

 

اختبار جديد لقدرة السوق على امتصاص الصدمات

 

وتتجاوز أزمة الإسمنت في دلالاتها مسألة توفر مادة بناء أساسية، فهي تكشف حجم الترابط بين البنية التحتية للطاقة والنشاط الصناعي والأسواق المحلية.

 

فالاضطراب الذي أصاب قطاع الكهرباء لم يتوقف أثره عند المنازل والخدمات، وإنما انتقل إلى الصناعة، ثم انعكس على مادة ترتبط مباشرة بقطاع البناء والتشييد وحركة الاستثمار والعمران.

 

ومن هنا تبرز أهمية أن لا تقتصر المعالجة على إعادة التيار الكهربائي، بل أن تشمل متابعة آثار الأزمات على القطاعات الإنتاجية، والتأكد من استعادة المصانع لقدراتها التشغيلية الفعلية، وضمان انسيابية التوزيع ومنع استغلال أي نقص مؤقت لرفع الأسعار بصورة غير مبررة.

 

وبحسب الإعلان الرسمي الأخير، فإن مصانع الإسمنت عادت إلى وتيرة إنتاجها الطبيعية، فيما تراهن السلطات على توفر المخزون واستقرار الأسعار خلال المرحلة المقبلة. ويبقى الاختبار الحقيقي هو مدى انعكاس ذلك سريعاً على السوق، وعودة الإسمنت إلى نقاط البيع بالكميات والأسعار التي تتناسب مع الوضع الطبيعي للعرض والطلب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى