باب ولد محمد باب.. حين يختفي البسطاء/احمد الدوه الشنقيطي
أكثر من عشرة أيام مضت، ولا أثر لك يا باب…
تختفي هكذا، ببساطة موجعة، وأنت رجل تقدّم به العمر، أضعفَت السنوات جسدك، وخفّفت خطاك، وأثقلت ذاكرتك أحيانًا.
تختفي في شنقيط التي عشت فيها عمرك كله، وعرفت دروبها وحاراتها، وأسرها ووجوهها، وواحاتها وأوديتها، حتى لكأنك تحفظ حجارتها حجرًا حجرًا، وترابها ذرة ذرة.
ثم تغيب فجأة…
تغيب عن بيتك، عن أبنائك، عن أصدقائك، عن رفاق مسجدك، وعن الطريق الذي اعتدت أن تمشيه كل يوم، وعن الأماكن التي ألفتك وألفتها.
وتترك خلفك سؤالًا واحدًا، لكنه أثقل من كل الأسئلة:
اين باب؟
في الأيام الأولى، تحرك البسطاء. حملوا الخبر، وجابوا الأماكن، وبحثوا في الفيافي والوديان، وسألوا هنا وهناك، وفعلوا ما استطاعوا، لا يطلبون مالًا ولا شهرة، وإنما يرجون أجرًا عند الله، لأن المفقود واحد منهم، ولأن الإنسان حين تضيق به الدنيا لا يبقى له إلا أخوه الإنسان.
ثم خفت الهمسات…
تراجعت المبادرات…
وانشغل الناس بأوجاعهم الصغيرة، بينما ظل وجعك كبيرًا، وظلت عائلتك معلقة بين الرجاء والخوف، تنتظر خبرًا قد يأتي، أو أثرًا قد يظهر، أو عابرًا يقول: رأيت بابًا.
يا باب…
ربما كان كل ما تملكه في هذه الدنيا هو بساطتك.
لا قبيلة تحشد لك، ولا جاه يستنفر من أجلك، ولا مال يفتح الأبواب، ولا علاقات واسعة تجعل غيابك قضية لا تنام حتى تجد جوابًا.
لكن أليس الإنسان، لمجرد أنه إنسان، جديرًا بكل ذلك؟
أليست حياته أثمن من أن تقاس بالجاه والمال والنفوذ؟
ألا ينبغي أن يكون اختفاء إنسان بسيط كافيًا لأن تتحرك كل الإمكانات، وتُستنفد كل الوسائل، وتُطرق كل الأبواب؟
إنها ليست شاة ضلت عن القطيع…
إنه إنسان.
له أبناء ينتظرونه، وبيت يفتقده، ورفاق يسألون عنه، وذاكرة مدينة كاملة تعرف خطواته وملامحه.
وما أقسى أن يشعر أهله، في لحظة كهذه، أن بساطة الرجل قد تكون سببًا في أن تخفت حول قضيته الأصوات.
يا رب…
بلغت القلوب الحناجر، وضاقت بنا الحيلة، ولم يبق لنا إلا بابك.
اللهم إنا نشكو إليك ضعفنا وقلة حيلتنا، اللهم إنك تعلم مكانه ولا نعلم، وتراه ولا نراه، فاحفظه بعنايتك، وردّه إلى أهله سالمًا معافى، ولا ترنا فيه مكروهًا.
اللهم أعد باب ولد محمد باب إلى أبنائه وأحبابه، وأطفئ نار الانتظار في قلوبهم، واجعل القادم من خبره فرجًا بعد هذا الغياب الطويل.
فالإنسان البسيط ليس إنسانًا قليل القيمة…
ومن لا يملك جاهًا في الأرض، له ربٌّ لا تضيع عنده الودائع.
والله المستعان.




