الأخبارمقالات و تحليلات

المأمورية الثالثة تطرق أبواب “الانصاف”.. هل ينفذ الحزب إرادة الرئيس أم إرادة المحيط؟/ بقلم : أحمد الدوه

يجد حزب “الإنصاف” نفسه أمام اختبار سياسي حساس؛ فمن جهة، هو الحزب (الحاكم) الداعم للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن جهة أخرى، يفترض أن يكون مؤسسة سياسية لها رؤيتها وبرامجها وقراءتها للمستقبل
وأن يقرأ التحولات الوطنية بما يخدم استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها

ومن هنا تبرز أهمية قراءة تحركات المكتب السياسي للحزب في سياق الحديث عن المأمورية الثالثة.
فالدعوة إلى تعديل الدستور أو فتح الباب أمام استمرار الرئيس في الحكم ليست مجرد مسألة حزبية عابرة، وإنما قضية تمس جوهر النظام الدستوري وتوازن المؤسسات وقواعد التداول على السلطة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل يسعى المكتب السياسي إلى التمهيد لمأمورية ثالثة،؟ أم أنه يحاول فقط مواكبة خطاب سياسي بدأ يتشكل داخل محيط السلطة؟

بين ما يريده الرئيس وما يُراد له!!

المفارقة الأهم أن الرئيس قد لا يكون بحاجة إلى أن يعلن بنفسه أي موقف من المأمورية الثالثة حتى يبدأ محيطه السياسي في اختبار الشارع والنخب وقياس ردود الأفعال.

وهنا تظهر وظيفة خطيرة يمكن أن تتحول إليها الأحزاب الموالية: أن تصبح مختبراً لردود الفعل، أو أن تقوم بما قد لا يرغب الرئيس في القيام به بنفسه.
فإذا خرجت أصوات من داخل الحزب تطالب بتغيير قواعد اللعبة الدستورية، يمكن للسلطة أن تراقب حجم القبول والرفض، دون أن تتحمل هي مباشرة كلفة طرح الفكرة.

لكن الاحتمال الآخر لا يقل أهمية: ربما يكون بعض الفاعلين داخل الحزب قد تجاوزوا بالفعل حدود ما تريده الرئاسة، مدفوعين بحسابات شخصية أو انتخابية أو رغبة في ضمان مواقعهم في مرحلة ما بعد 2029.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل المكتب السياسي لحزب “الإنصاف” ينفذ أجندة الرئاسة، أم يبلور أجندة يريد من الرئاسة أن تتبناها؟

الدستور ليس تفصيلاً حزبياً

المشكلة السياسية الكبرى تبدأ عندما تتحول قضية دستورية إلى مطلب حزبي.
فالدستور ليس ملكاً للأغلبية ولا للمعارضة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره نصاً قابلاً للتعديل كلما تغيرت موازين القوة السياسية.
وبالتالي، فإن أي دعوة إلى تجاوز الحدود الدستورية للمأموريات ينبغي أن تُناقش باعتبارها قضية دولة ومؤسسات، لا باعتبارها مجرد موقف من مواقف حزب الإنصاف.

والأخطر من تعديل النص نفسه هو أن تبدأ عملية تهيئة الرأي العام لفكرة خرقه عبر مهرجانات التأييد، واللافتات، والوفود، والخطابات، والحديث عن “الإرادة الشعبية”، وكأن الشعبية تمنح الحق في تجاوز الدستور.

الإرادة الشعبية الحقيقية لا تُختزل في حشود منظمة، ولا في هتافات معدة سلفاً، وإنما تظهر من خلال المؤسسات والانتخابات والاستفتاءات الحرة، وفي إطار احترام القواعد الدستورية.

المأمورية الثالثة… من صاحب القرار؟

إذا كان الرئيس لا يريد مأمورية ثالثة، فإن على حزب “الإنصاف” أن يحترم هذا الخيار وألا يحوله إلى موضوع للمزايدة السياسية.

أما إذا كان الرئيس يريدها، فإن المسؤولية السياسية تقتضي أن يقول ذلك بوضوح، وأن يطرح الأمر أمام الشعب والمؤسسات المختصة، بدلاً من ترك الآخرين يتحدثون باسمه.

وفي الحالتين، فإن المنطقة الوسطي ما بين بين ليست في مصلحة الدولة.

لأن استمرار الغموض يسمح لكل طرف بأن يقرأ صمت الرئيس بالطريقة التي تناسبه:

طرف يراه رفضاً للمأمورية الثالثة، وآخر يراه انتظاراً للوقت المناسب، وثالث يعتبره ضوءاً أخضر للتحرك.

الإنصاف أمام امتحان الاستقلالية

المطلوب من المكتب السياسي للإنصاف ليس أن يتحول إلى معارض للرئيس، فهذا يتناقض مع موقعه السياسي، وإنما أن يكون حزباً داعماً للرئيس دون أن يكون بديلاً عنه.
وهناك فرق كبير بين دعم برنامج الرئيس والدفاع عن حصيلته، وبين صناعة مبررات لبقائه خارج الحدود الدستورية.
فالحزب القوي هو الذي يستطيع أن يقول للرئيس ما يحتاج إلى سماعه، لا ما يرغب في سماعه فقط.
أما تحويل الحزب إلى منصة للتعبئة من أجل مأمورية ثالثة، قبل أن يعلن الرئيس موقفه، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية: إحراج الرئيس بدل دعمه، وإرباك المشهد السياسي بدل استقراره.
واخيرا:
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين من يحب الرئيس ومن يعارضه، وإنما بين من يريد دولة تحكمها المؤسسات والقواعد، ومن يريد أن تحكمها الترتيبات السياسية الظرفية.

وإذا كان المكتب السياسي للإنصاف يمهد فعلاً لمأمورية ثالثة، فإن عليه أن يجيب بوضوح عن ثلاثة أسئلة:
هل هذا موقف الرئيس المعلن أم اجتهاد من الحزب؟
هل يتطلب تحقيقه تعديل الدستور، وهل يجوز فتح هذا الباب سياسياً؟
هل المصلحة في استمرار الأشخاص، أم في ترسيخ قاعدة تداول السلطة التي تحمي الدولة حتى من رغبات الأشخاص؟

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر دلالة هو:
هل يريد الرئيس مأمورية ثالثة، أم أن هناك من يريدها له؟
فالفرق بين السؤالين كبير، والإجابة عنه قد تكون مفتاحاً مهماً لفهم اتجاه المشهد السياسي الموريتاني خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى