ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في القاهرة.. شراكة سعودية ـ مصرية تتجاوز الثنائية إلى إعادة ترتيب البيت العربي(تحليل)
الصدى – تقرير تحليلي / كتب : محمد عبد الرحمن /
لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، اليوم الثلاثاء، مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية ومصر، بقدرما تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة والملاحة، وتفرض على العواصم العربية الأكثر تأثيراً البحث عن مساحات أوسع للتنسيق والعمل المشترك.
ويستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ولي العهد السعودي في زيارة عمل تتضمن لقاءً ثنائياً ومباحثات موسعة بين وفدي البلدين، فيما أعلنت الرئاسة المصرية أن المحادثات ستتناول تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتكتسب الزيارة أهميتها من حقيقة أن القاهرة والرياض لا تتحركان في فراغ إقليمي؛ فكل منهما تمتلك أوراقاً سياسية واقتصادية وأمنية مؤثرة، كما أن مصالحهما تتقاطع في عدد من الملفات التي باتت تداعياتها تتجاوز حدود المنطقة، من أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية إلى القضية الفلسطينية والسودان واليمن وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
القاهرة والرياض.. ثقلان عربيان في لحظة استثنائية
العلاقة السعودية المصرية ليست علاقة مصالح ظرفية، وإنما شراكة ذات جذور سياسية وشعبية واستراتيجية عميقة. وخلال السنوات الأخيرة انتقلت هذه العلاقة بصورة متزايدة من إطار التضامن السياسي التقليدي إلى شراكة أكثر اتساعاً تشمل الاستثمار والتجارة والطاقة والبنية التحتية والتنسيق السياسي والأمني.
وتشير المواقف الرسمية الأخيرة إلى رغبة مشتركة في رفع مستوى هذا التعاون. ففي اتصال جرى بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي في الثالث من سبتمبر، أكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون والتنسيق، وشددا على أن أمن المملكة والدول العربية يرتبط بالأمن القومي المصري، كما أكدا ضرورة خفض التصعيد الإقليمي لما يترتب عليه من تداعيات على أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا، يمكن فهم زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اليوم للقاهرة باعتبارها امتداداً لمسار من التشاور السياسي المتواصل، وليس لقاءً منفصلاً عن سياق أوسع.
البحر الأحمر.. أمن مشترك ومصلحة عربية
من أبرز الملفات التي تفرض نفسها على أجندة اللقاء أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
فالممرات البحرية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس تمثل شرياناً أساسياً للتجارة والطاقة العالمية، وأي اضطراب مستمر فيها ينعكس بصورة مباشرة على مصر والسعودية، وعلى الاقتصاد العربي والدولي في آن واحد.
بالنسبة إلى الرياض، يرتبط أمن البحر الأحمر بأمن صادرات الطاقة والممرات التجارية وبسلامة الساحل الغربي للمملكة، بينما يمثل استقرار البحر الأحمر وقناة السويس بالنسبة إلى القاهرة قضية اقتصادية وأمنية واستراتيجية مباشرة.
وقد أكدت مواقف سعودية ومصرية سابقة أهمية حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يجعل التنسيق بين البلدين في هذا الملف أكثر من مجرد تنسيق أمني؛ إنه جزء من حماية منظومة إقليمية للتجارة والطاقة والاستقرار.
وفي ظل استمرار التوترات المرتبطة باليمن والتهديدات التي طالت الملاحة، يرجح أن يحظى هذا الملف باهتمام خاص في المباحثات، خصوصاً أن أمن البحر الأحمر بات مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن قناة السويس وسلاسل الإمداد العالمية.
فلسطين وغزة.. تنسيق عربي مطلوب
القضية الفلسطينية ستظل، بحكم ثقلها السياسي والإنساني، في قلب أي تشاور مصري سعودي حول مستقبل المنطقة.
ومصر تمتلك موقعاً مركزياً في الاتصالات المتعلقة بقطاع غزة، بينما تؤكد السعودية بصورة متواصلة تمسكها بحل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية.
وفي ظل الحاجة إلى تثبيت أي ترتيبات لوقف الحرب، وإدخال المساعدات الإنسانية، والانتقال من إدارة الأزمة إلى تسوية سياسية، فإن التنسيق بين القاهرة والرياض يمكن أن يشكل رافعة عربية مهمة، خصوصاً إذا تحول هذا التنسيق إلى جهد عربي جماعي أكثر اتساقاً.
والأهمية هنا لا تكمن فقط في تطابق المواقف، وإنما في قدرة دولتين بثقل السعودية ومصر على تحويل هذا التوافق إلى تحرك دبلوماسي مؤثر في المحافل الإقليمية والدولية.
السودان واليمن.. منع تمدد الأزمات
ولا يقل الملف السوداني أهمية عن بقية الملفات، فاستمرار الحرب في السودان يهدد وحدة الدولة واستقرارها، ويفتح الباب أمام تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية تمتد إلى دول الجوار والبحر الأحمر.
وتتقاطع القاهرة والرياض في التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، وإن كانت لكل منهما مقارباتها وأدواتها في التعامل مع الأزمة.
أما اليمن، فيرتبط مباشرة بأمن السعودية والبحر الأحمر، وبالتوازنات الإقليمية التي تؤثر في حركة الملاحة والتجارة. ومن ثم فإن التنسيق المصري السعودي يمكن أن يسهم في دعم مقاربة عربية أكثر اتزاناً تجاه الأزمة اليمنية، تقوم على أمن المنطقة و وقف التصعيد ودعم الحلول السياسية.
الاقتصاد.. من الدعم إلى التكامل
لكن البعد الاقتصادي للزيارة قد يكون أحد أكثر مخرجاتها قابلية للترجمة العملية، فالسعودية، في ظل التحول الاقتصادي الكبير الذي تقوده رؤية 2030، تبحث عن فرص استثمارية وشراكات طويلة الأجل، بينما تمثل مصر سوقاً كبيرة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وقاعدة صناعية وبشرية مهمة.
وهنا تتجاوز العلاقة فكرة الاستثمارات المتبادلة إلى إمكانية بناء سلاسل قيمة عربية مشتركة في الصناعة والطاقة واللوجستيات والسياحة والتكنولوجيا والخدمات المالية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة حجم الاستثمارات فحسب، وإنما في الانتقال من استثمارات منفردة إلى مشروعات تكاملية تستفيد من المزايا النسبية للبلدين، وتفتح في الوقت نفسه المجال أمام ربط الأسواق العربية ببعضها.
وهذه النقطة تحديداً يمكن أن تمنح الشراكة السعودية المصرية بعداً عربياً أوسع، فالسعودية بما تملكه من قدرات مالية واستثمارية، ومصر بما تمتلكه من سوق وقاعدة إنتاجية وموقع جغرافي وقوة بشرية، بما يسمح بتكوين نموذج عربي قابل للتوسع.
من العلاقة الثنائية إلى العمل العربي المشترك
ربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها الزيارة هي أن العالم العربي، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، يحتاج إلى إعادة بناء مفهوم العمل المشترك على أساس المصالح والقدرات الواقعية، وليس الاكتفاء بالبيانات السياسية.
فالسعودية ومصر، بما تمثلانه من ثقل سياسي واقتصادي وأمني، تستطيعان أن تكونا أحد المحركات الأساسية لهذا المسار إذا نجحتا في تحويل التنسيق الثنائي إلى مبادرات أوسع تشمل دولاً عربية أخرى.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء محور مغلق أو اصطفاف جديد، بل على العكس، يمكن أن يكون الهدف هو تقوية القدرة العربية على إدارة الأزمات والدفاع عن المصالح المشتركة وفتح مسارات التعاون الاقتصادي والسياسي.
وفي عالم تتكتل فيه القوى الكبرى حول مصالحها، تصبح قدرة الدول العربية على تنسيق مواقفها واستثمار إمكاناتها الجماعية عاملاً أساسياً في حماية مصالحها.
ما بعد الزيارة.. الاختبار الحقيقي
ومع أهمية اللقاء، فإن قيمة الزيارة لن تقاس بحجم العبارات التي ستتضمنها البيانات الرسمية، وإنما بما ستنتجه من خطوات عملية،فنجاحها الحقيقي سيكون في ترجمة التوافق السياسي إلى آليات تنسيق مستمرة، وتسريع المشروعات الاقتصادية، وتطوير التعاون في أمن البحر الأحمر، ودعم الاستقرار الإقليمي، وتنسيق المواقف بشأن فلسطين والسودان واليمن، ثم الدفع باتجاه مقاربة عربية أكثر تكاملاً تجاه التحولات الدولية.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الأزمات العربية لم تعد منفصلة عن بعضها؛ فأمن البحر الأحمر يؤثر في التجارة، والحرب في السودان تتصل بأمن المنطقة، وأزمة غزة تتجاوز حدود فلسطين، إلى كل الوطن العربي والإسلامي وحتى ألى المصالح الاقليمية والدولية في المنطقة، وأمن الطاقة يرتبط مباشرة بالاستقرار السياسي.
ومن هنا، فإن التنسيق بين القاهرة والرياض لا يمثل فقط مصلحة سعودية مصرية، وإنما يمكن أن يتحول، إلى رافعة حقيقة قوية وفعالة للعمل العربي المشترك.
رأي الصــــــــــدى
كتب : رئيس التحرير
تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في توقيت لا يسمح للمنطقة بمزيد من التشتت. فالمشهد العربي يحتاج إلى عواصم قادرة على جمع المصالح، واحتواء الخلافات، وبناء التفاهمات، وتحويل الإمكانات المتفرقة إلى قوة جماعية.
ومصر والسعودية، بحكم التاريخ والجغرافيا والثقل السياسي والاقتصادي، تملكان مؤهلات خاصة للاضطلاع بهذا الدور.
ولذلك، فإن الأهمية الأبعد للزيارة لا تكمن فقط في تعزيز العلاقات بين الرياض والقاهرة، مهما بلغت أهميتها، وإنما في إمكانية أن تشكل خطوة باتجاه استعادة مفهوم التكامل العربي الواقعي؛ تكامل يقوم على المصالح المشتركة، والقدرات الاقتصادية، والأمن الجماعي، والدبلوماسية النشطة، واحترام سيادة الدول.
وفي منطقة تتغير موازينها بسرعة، قد لا يكون السؤال الأهم هو ماذا ستبحث القاهرة والرياض، بل: هل يتحول تنسيق الرياض والقاهرة إلى قوة عربية قادرة على التأثير في مستقبل المنطقة، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع أزماتها؟

رأي الصــــــــــدى 


