المال في فلسفة المفكر الشرفاء.. أمانة تتجاوز حدود الملكية إلى بناء الإنسان والأوطان !!

كتب : رئيس التحرير: محمد عبد الرحمن/
تقوم أطروحة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي حول التكافل الاجتماعي على رؤية تتجاوز مفهوم الإحسان بمعناه الضيق، لتضع المال والإنفاق والعطاء في قلب المشروع الأخلاقي والإنساني لبناء الفرد والمجتمع والوطن. فالمال، في فلسفته، ليس غاية تُختزل فيها قيمة الإنسان، ولا ثروة تُقاس جدواها بما يتراكم منها، وإنما أمانة ووسيلة للعمران، واختبار للمسؤولية تجاه الإنسان والحياة.
المال في فلسفة الشرفاء.. أمانة تتجاوز حدود الملكية
ومن هنا تنطلق أطروحة الشرفاء الأساسية: أن المال لا تكتمل قيمته إلا حين يؤدي وظيفة اجتماعية وإنسانية. فالإنسان الذي يملك لا يعيش منفصلاً عن مجتمعه، والثروة التي تتكدس بعيداً عن حاجات الناس تفقد جانباً من رسالتها. ولذلك فإن الإنفاق، في رؤيته، ليس إنقاصاً من المال، بل إعادة توجيه له نحو ما هو أبقى أثراً وأكثر نفعاً.
الإنفاق على الإنسان.. الاستثمار الذي لا ينفد أثره
وهذه الفكرة تقود مباشرة إلى أطروحة ثانية لدى الشرفاء، مفادها أن الإنفاق الحقيقي هو إنفاق على الإنسان. فإطعام المحتاج يواجه الحاجة الآنية، لكن تعليمه يفتح أمامه طريق الاستقلال؛ وعلاج المريض يحفظ حياته، لكن تمكين القادر على العمل يفتح له ولأسرته باباً دائماً للكفاية. ومن ثم فإن أرقى صور العطاء ليست تلك التي تجعل الإنسان أسير المساعدة، وإنما التي تمنحه القدرة على تجاوز الحاجة.
من الصدقة الفردية إلى فلسفة التكافل
وهنا يلتقي فكر الشرفاء مع جوهر الرؤية الإسلامية التي تجعل الإنسان محور الاستخلاف والعمران، وتربط النعمة بالمسؤولية. فالزكاة والصدقة والوقف وسائر صور الإنفاق ليست مجرد ممارسات فردية، وإنما يمكن أن تؤدي وظيفة حضارية في تحقيق التوازن الاجتماعي، وحماية كرامة الإنسان، وتوجيه جزء من الثروة نحو بناء المجتمع.
أما التكافل، في أطروحة الشرفاء، فلا يعني أن يتصدق القادر على المحتاج ثم تنتهي العلاقة عند هذا الحد؛ بل يعني أن يصبح التراحم ثقافة اجتماعية ومنهجاً في إدارة العلاقات بين الناس. فالمجتمع المتكافل هو الذي يشعر فيه الإنسان أن حاجته لا تجعله منبوذاً، وأن قوته لا تعفيه من مسؤوليته. وبذلك تتحول الرحمة من شعور فردي إلى قوة تحفظ تماسك المجتمع.
القيم العربية.. حين يصبح الكرم مشروعاً للمجتمع
وتتصل هذه الرؤية كذلك بما يراه الشرفاء امتداداً للقيم العربية الأصيلة؛ فالكرم والنخوة وإغاثة الملهوف والوفاء للجوار ليست مظاهر اجتماعية عابرة، بل منظومة قيم صنعت تاريخاً طويلاً من التضامن. والمطلوب اليوم، وفق هذا المنظور، هو تحويل هذه القيم من ممارسات فردية إلى مؤسسات تنموية مستدامة تستثمر المال في التعليم والصحة والعمل والمعرفة.
من تكافل الأوطان إلى تراحم الشعوب
ولا تتوقف أطروحة الشرفاء عند حدود المجتمع الوطني؛ إذ يوسع مفهوم التراحم ليشمل العلاقة بين الشعوب. فالدول والمجتمعات التي تمتلك فائضاً من الموارد والخبرات تستطيع أن تجعل من عطائها جسراً للتنمية، لا مجرد مساعدات ظرفية؛ عبر نقل المعرفة، وبناء القدرات، والاستثمار، ودعم التعليم والصحة، وخلق فرص العمل. وهنا يتحول العطاء إلى لغة مشتركة بين الشعوب، وإلى أحد جسور السلام والاستقرار.
التمكين قبل الإعانة.. صناعة الإنسان القادر
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المعادلة التي تتأسس عليها رؤية الشرفاء: المال أمانة، والإنفاق مسؤولية، والإنسان هو الغاية، والوطن هو مجال البناء، والتكافل هو الجسر الذي يصل بين الفرد والمجتمع والإنسانية.
فالإنفاق الذي يبني مدرسة، أو يداوي مريضاً، أو يمكّن شاباً، أو يحفظ كرامة أسرة، لا يذهب سدى؛ إنه يتحول إلى رأس مال بشري واجتماعي، ثم يعود على الوطن في صورة علم وإنتاج واستقرار. ولذلك فإن مكافحة الفقر، في هذه الرؤية، لا ينبغي أن تقتصر على تخفيف آثاره، بل يجب أن تتجه إلى إنتاج الفرصة التي تجعل الإنسان قادراً على التحرر من الحاجة.
الثروة التي تبني الأوطان.. حين يصبح العطاء قوة حضارية
وهكذا يضع علي محمد الشرفاء الحمادي العطاء في مكانه الأوسع: ليس مجرد فضيلة فردية، وإنما فلسفة في بناء الإنسان وعمران الوطن وإقامة جسور التراحم بين الشعوب. فالثروة التي تصنع إنساناً كريماً وقادراً ومنتجاً هي ثروة تتجاوز صاحبها إلى المجتمع، والمال الذي يتحول إلى علم وصحة وفرصة وكرامة يصبح جزءاً من مستقبل الوطن.
وفي جوهر هذه الرؤية، لا يكون السؤال: كم نملك؟ بل: ماذا نصنع بما نملك؟ فهناك ثروة تُحفظ في الخزائن، وثروة أخرى تُستثمر في الإنسان؛ الأولى تُحصى بالأرقام، أما الثانية فتُقاس بما تتركه من أثر في حياة الناس، وفي قوة الأوطان، وفي اتساع دائرة الرحمة بين البشر.




