الأخبارصدى الاعلامفضاء الرأي

من صحافة مهنة المتاعب إلى {صحافة) التحويلات البنكية!/ أحمد الدوه الشنقيطي

احمدولد الدوه/ مدير التحرير في مجموعة الصدى للاعلام

كان الصحفي في زمن مضى يحمل قلمه كما يحمل صاحب الرسالة أمانته؛ يبحث عن الحقيقة، وينحاز إلى المواطن، ويكتب ما يراه حقاً، ولو أغضب ذلك مسؤولاً أو نافذاً.
أما اليوم، فقد أصبحنا أمام مشهد صحفي مختلف؛ مشهد اختلطت فيه المهنة بالتجارة، والخبر بالإعلان، والتغطية بالمجاملة، حتى ظهرت إلى الواجهة ظاهرة يمكن تسميتها بلا مواربة: صحافة المناسبات… وصحافة التحويلات البنكية!
نعم، صحافة التحويلات البنكية!
صحافة لا تسأل أولاً: ما أهمية الخبر؟
ولا: ماذا يريد المواطن أن يعرف؟
ولا: أين الحقيقة؟
بل تسأل: من يدفع؟ وكم سيدفع؟ ومتى تصل الحوالة؟
وهنا تتحول الصحافة من رسالة إلى صفقة، ومن مهنة متاعب إلى مهنة مناسبات، ومن سلطة رابعة يفترض أن تراقب الشأن العام إلى دفتر حسابات ينتظر حركة الرصيد.
ولا يعني ذلك أن الصحفي لا يستحق أجراً؛ فالصحافة مهنة، والصحفي إنسان له أسرته والتزاماته، والمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى موارد حتى تستمر. لكن هناك فرقاً بين التمويل المشروع للعمل الإعلامي وبين أن يصبح الخبر نفسه سلعة، وأن يتحول المديح إلى خدمة مدفوعة، وأن تتحدد مساحة التغطية بحسب حجم المقابل.
وهنا تكمن المشكلة.
لقد أصبحنا نرى أحياناً خبراً عن مسؤول أو رجل أعمال يمتدح كل شيء: الإنجازات، والمواقف، والتصريحات، وحتى الأشياء التي لم تحدث بعد!
وبمجرد انتهاء المناسبة، ينتهي الخبر وينتهي معه الاهتمام.
إنها صحافة المناسبات: تظهر عند الزيارات، وتتكاثر عند الحفلات، وتنتعش عند المؤتمرات، وتختفي عندما يعود المواطن إلى مشاكله اليومية.
أما المواطن، فلا أحد يسأله بعد انتهاء التصفيق:
هل وصلت المياه؟
هل عادت الكهرباء؟
هل تحسن المستشفى؟
هل انخفضت الأسعار؟
هل وجد الشاب عملاً؟
هل أصلحت الطريق؟
هل حصل المواطن على حقه؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في صميم العمل الصحفي.
لكن الأخطر من ذلك هو أن بعض المنابر لم تعد تكتفي بالمجاملة، بل دخلت عالم العناوين المضللة والإشاعات والتهويل.
عنوان صادم لجذب القارئ، ثم تفتح الخبر فلا تجد ما يبرر العنوان.
«عاجل» بلا عاجل، و«خطير» بلا خطورة، و«مفاجأة» بلا مفاجأة!
المهم أن يضغط القارئ على الرابط، وأن ترتفع المشاهدات، وبعد ذلك لا يهم كثيراً ماذا بقي في ذهنه من الحقيقة.
وهذه ليست صحافة.
السبق الصحفي ليس أن تنشر أولاً، وإنما أن تتحقق أولاً.
فالخبر الذي لا نتحقق منه قد يتحول إلى ظلم.
والإشاعة التي ننشرها قد تدمر سمعة إنسان.
والصورة التي نعرضها خارج سياقها قد تقلب الحقيقة رأساً على عقب.
ومن أخلاق المهنة أن يعرف الصحفي الفرق بين الخبر والرأي والإعلان، وأن يحترم عقل القارئ، وألا يستغل جهله أو ثقته به.
فالصحفي ليس موظفاً لدى الوزير، ولا مستشاراً لرجل الأعمال، ولا ناطقاً باسم المسؤول، ولا خصماً دائماً للسلطة.
الصحفي صحفي.
وظيفته أن يسأل عندما يجب أن يسأل، وأن يثني عندما يكون هناك ما يستحق الثناء، وأن ينتقد عندما يكون النقد ضرورياً، وأن يترك الحكم النهائي للوقائع وللقارئ.
لقد عشقت الصحافة منذ الصغر، وكتبت المقالات والتحقيقات والمواد الصحفية في منابر مختلفة، وعرفت الصحافة باعتبارها مهنة متاعب قبل أن تكون مهنة أضواء.
ولهذا يؤلمني أن أرى بعض منابر اليوم تتعامل مع الصحافة وكأنها دكان مفتوح: من دخل دفع، ومن دفع نُشر له، ومن دفع أكثر حُظي بعنوان أكبر، وصورة أكبر، ومديح أكبر.
ولا أعمم؛ ففي الساحة صحفيون ومؤسسات إعلامية محترمة ما زالوا يتمسكون بأخلاق المهنة، ويعملون في ظروف صعبة، ويقدمون محتوى مهنياً يستحق التقدير.
لكن كثرة المنابر لا تعني بالضرورة قوة الصحافة.
قد يكون لدينا مئات الصفحات والمواقع، لكن السؤال الحقيقي هو: كم منها يملك الشجاعة والمصداقية والاستقلال؟
إن الصحافة التي تتحول إلى وسيلة للتكسب، أو للتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ، تفقد أهم رأسمال لديها: الثقة.
وحين يفقد القارئ ثقته في الصحفي، يصبح من الصعب عليه أن يصدق حتى الحقيقة عندما تأتي.
لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للصحافة المهنية، لا إلى مزيد من الضجيج.
نحتاج إلى صحفي يعرف أن الكلمة أمانة، وأن الصورة مسؤولية، وأن العنوان ليس فخاً للقارئ، وأن المال لا ينبغي أن يشتري الحقيقة.
فالصحافة ليست تطبيقاً بنكياً ينتظر إشعار التحويل، وليست مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء الحفل.
الصحافة موقف، وأخلاق، ومهنية، ومسؤولية.
ومن أراد أن يمارس التجارة فليمارسها في مكانها، ومن أراد الإعلان فليعلن أنه إعلان، ومن أراد ممارسة الصحافة فليتذكر دائماً أن هناك فرقاً كبيراً بين قلم يكتب من أجل الحقيقة، وقلم يكتب انتظاراً للتحويل البنكي.
وتلك هي المسافة الفاصلة بين صحافة المتاعب… وصحافة التحويلات!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى