الروائي الإماراتي المبدع سعيد البادي يكتب : قراءة في رواية «إمبراطورية نشوى كريم» الجديدة.. خالد عمر بن ققة في مملكة التناقضات

المصدر : الكاتب /
يصعب عليّ أن أكتب عن خالد عمر بن ققة كما أكتب عن كاتب لا أعرفه، فبيننا أكثر من ستة وعشرين عامًا من الصداقة، لكنها لم تكن صداقة عابرة نشأت على هامش المهنة ثم أخذتها السنوات بعيدا. جمعتنا الصحافة أولًا، وعملنا معا في زمن كانت فيه الصحافة الاستقصائية تعني أن تذهب إلى الحكاية بنفسك، وأن تبحث خلف الخبر عما لم يُكتب فيه، وأن تطرح الأسئلة التي ربما كان الآخرون يفضّلون ألّا تُطرح.
عملنا معا في بعض تلك المغامرات الصحفية، واختلفنا واتفقنا، وتبادلنا الرأي في السياسة والمجتمع والناس، ثم أخذت الحياة كلًا منا في طرقها، لكن بقي بيننا شيء لم تستطع السنوات أن تغيّره كثيرا: فضول السؤال.
قرأت لخالد خلال هذه السنوات الكثير من مقالاته وتحليلاته في الشأن السياسي والعام، وعرفته صحفيا وباحثا ومحللًا قبل أن أعود اليوم لأقرأه روائيا.
والحقيقة أن الرواية ليست بابا جديدا تماما عليه. فقد طرقه مبكرا في تجربته الروائية الأولى «الحب والتتار»، التي تناول فيها الوجه الآخر للإرهاب، ثم جاءت تجربة روائية أخرى في «بدّة عيشوش». لكن المقالة والتحليل والكتابة في الشأن العام ظلت طوال سنوات طويلة حاضرة بقوة في مسيرته؛ وكأن خالد، مهما تغير شكل النص بين الصحافة والدراسة والتحليل والرواية، ظل يطارد سؤالا واحدا بأشكال مختلفة: ماذا يحدث للإنسان حين تضعه السياسة والتاريخ والمجتمع أمام تناقضاته؟
ولخالد معي حكاية أخرى تجعل الكتابة عنه أكثر صعوبة.
فقد تابع خلال سنوات صداقتنا ما كتبت، وقرأ رواياتي، وكتب عنها أكثر من مرة. وفي بعض الأحيان رأى في النص أشياء ربما لم أكن أنا، صاحبه، قد توقفت عندها طويلًا.
واليوم، بعد أكثر من ربع قرن، تتبدل المقاعد قليلًا.
أصبح خالد هو الروائي، وأصبحت أنا القارئ، ولهذا أخشى، وأنا أكتب عن «إمبراطورية نشوى كريم»، شيئين متناقضين: أن تقودني الصداقة إلى المجاملة، أو أن أتشدد في الحياد حتى أبدو كأنني أتنكر لستة وعشرين عامًا من المعرفة والمحبة.
لذلك سأختار طريقا ثالثا، سأدخل إلى الرواية كما يدخل القارئ إلى عالم لا يعرفه، وسأترك خالدا الذي أعرفه خارج الباب قليلا.
لكنني أعرف منذ الآن أنه سيتسلل إلى الداخل، فالكاتب يستطيع أن يختبئ خلف شخصياته، لكنه نادرا ما يستطيع أن يخفي أسئلته.
ولم أكن قد فرغت من قراءة الرواية بعد حين بدأت كتابة هذه السطور؛ لكن ما قرأته منها أغراني بالكتابة قبل أن أصل إلى ختامها. ولعل في ذلك شيئًا من طبيعة الكتب التي لا تنتظر قارئها حتى الصفحة الأخيرة كي تبدأ حوارها معه.
ومنذ أن بدأت قراءة «إمبراطورية نشوى كريم» بدا لي أننا لسنا أمام رواية تريد أن تحكي حكاية وحسب، بل أمام رواية تريد أن تسأل، وهذا فارق جوهري.

فالعالم الذي يبنيه خالد يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى غرائبية، وربما ساخرة: إمبراطورية تتعايش فيها المتناقضات، بل تصبح الثنائيات المتنافرة جزءًا من نظامها؛ النور إلى جوار الظلام، والفضيلة إلى جوار نقيضها، والمقدس والدنيوي، والخوف والأمان، والحقيقة وما يناقضها.
لكن القارئ لا يحتاج إلى وقت طويل حتى يدرك أن الغرابة ليست غاية الرواية، إنها المرآة.
فالإمبراطورية التي تبدو بعيدة عنا تبدأ شيئا فشيئا بالاقتراب. وما حسبناه عالما متخيلا يتحول إلى سؤال مزعج: كم من هذه الإمبراطورية يعيش في عالمنا نحن؟
هنا، في ظني، تقع إحدى الألعاب الجميلة في الرواية.
خالد لا يبني عالما متخيلا لمجرد الهروب من الواقع، وإنما يستخدمه مختبرا يضع داخله الإنسان وتناقضاته. السلطة موجودة، والمجتمع موجود، والقوانين موجودة، لكن القضية الأعمق هي ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يؤمن بشيء ويمارس نقيضه، وأن يدافع عن قيمة في العلن ثم يتخلى عنها حين تمس مصالحه.
وهذه ليست مشكلة إمبراطورية متخيلة، إنها مشكلة بشرية قديمة.
ومن هنا تأخذ نشوى كريم أهميتها؛ فهي ليست مجرد شخصية تتحرك داخل الأحداث، وإنما عين ترى الخلل وتسأل عنه. وكلما سألت نشوى، اتسعت الدائرة من الشخصية إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الإنسان نفسه.
ولعل السؤال الذي يطل من خلف الرواية هو: لماذا نصر على تقسيم العالم إلى ثنائيات حادة، ثم نقضي معظم حياتنا في المساحات الرمادية الواقعة بينها؟
نتحدث عن الخير والشر وكأن بينهما جدارا، وعن الحقيقة والكذب، والإيمان والشك، والحب والكراهية، والشجاعة والخوف، ثم تأتي الحياة لتخبرنا في كل مرة أن الإنسان أكثر تعقيدا من التصنيفات التي اخترعها لوصف نفسه.
ولهذا لا تبدو لي “الإمبراطورية” مكانا بالمعنى الجغرافي وحده، إنها حالة إنسانية.
وربما إمبراطورية صغيرة يحملها كل واحد منا في داخله.
ومن الرموز التي تستوقف القارئ حضور الشمس. الشمس هنا ليست مجرد خلفية طبيعية للمشهد. إنها النور في مواجهة العتمة، والانكشاف في مواجهة ما نحاول إخفاءه، وربما الحقيقة حين تصبح رؤيتها مؤلمة.
وهو رمز ضارب في عمق المخيلة الإنسانية؛ فمنذ الحكايات والأساطير الأولى ربط الإنسان الضوء بالمعرفة، والظلام بالمجهول. لكن خالد يعيد توظيف هذه الثنائية داخل عالمه الخاص، حيث لا يعود السؤال: أين النور وأين الظلام؟ وإنما: هل يمكن أن يسكن الاثنان المكان نفسه؟
والإجابة التي تلمح إليها الرواية، حتى حيث وصلت في قراءتي، أكثر تعقيدا من نعم أو لا.
فالإنسان نفسه يفعل ذلك كل يوم، وثمة جانب آخر لا يمكن تجاهله: السخرية.
حين نجد مؤسسات تحمل أسماء تجمع ما يفترض أنه متناقض، ندرك أن الكاتب لا يريد منا التعامل مع عالمه بجدية ثقيلة طوال الوقت. هناك ابتسامة سوداء مختبئة خلف المشهد.
والسخرية هنا ليست للضحك بقدر ما هي وسيلة للكشف.
فنحن نضحك أحيانا لأن الصورة تبدو مبالغا فيها، ثم نتوقف فجأة حين نكتشف أن المبالغة ليست بعيدة تماما عن الواقع.
وهذه إحدى وظائف الأدب القديمة والجميلة: أن يأخذ الواقع خطوة واحدة إلى الأمام، لكي نراه بصورة أوضح.
لكن هذا الخيار الفني يحمل مخاطرة أيضا. فالرواية الفكرية تكون دائما مهددة بأن تتحول الشخصية فيها إلى حامل للأفكار، وأن يصبح الحوار منبرا، ويجلس الروائي خلف شخصياته ليشرح لنا العالم.
وفي بعض ما قرأت أشعر بأن خالد يقترب عمدًا من هذه الحافة؛ إذ يبدو المفكر حاضرا بقوة إلى جوار الروائي.
لكنني، وأنا أعرف خالد منذ أكثر من ربع قرن، لا أستطيع أن أزعم أن ذلك يفاجئني، إنه يشبهه.
خالد من أولئك الذين لا تكفيهم الحكاية إذا لم يكن وراءها سؤال، ولا يطمئنون إلى الإجابة لمجرد أن الجميع اعتاد تكرارها.
وربما لهذا تبدو ” إمبراطورية نشوى كريم” امتدادا طبيعيا لصاحبها، وإذا كانت “الحب والتتار” قد مثّلت محاولة روائية مبكرة في رحلته، فإنني أرى في هذه الرواية عودة مختلفة إلى السرد؛ عودة رجل مرّت بين التجربتين أمامه سنوات طويلة من الصحافة والبحث والجدل السياسي ومراقبة تحولات العالم العربي.
والزمن، بالنسبة للكاتب، لا يمر كما يمر على الآخرين، إنه يترك رواسبه في اللغة، وفي الأسئلة، وفي مقدار الشك الذي نحمله تجاه الإجابات السهلة.
لقد قرأ خالد خلال سنوات صداقتنا الكثير مما كتبت، وكتب عن بعض أعمالي، ورأى في نصوصي أشياء ربما لم أرها أنا حين كتبتها. وهذه واحدة من غرائب الكتابة الجميلة: أن تخرج الكلمات من صاحبها، ثم تعود إليه محملة بقراءة إنسان آخر.
واليوم، وأنا أقترب من عالم “إمبراطورية نشوى كريم” عبر ما أتيح لي من صفحاتها، أشعر بأن الدائرة تكتمل بطريقة ما.
فأنا لا أقرأ نص صديق فحسب، بل أقرأ شيئا من رحلته الفكرية أيضا؛ أقرأ الأسئلة التي تراكمت عبر السنين، والشكوك التي لم يجد ضرورة لإخفائها، ومحاولته القديمة لفهم ذلك المخلوق العجيب الذي نسميه الإنسان.
بعد ستة وعشرين عاما من الصداقة يستطيع المرء أن يميز صوت صديقه حتى لو اختبأ خلف عشرات الشخصيات، وقد سمعت صوت خالد هنا، سمعته في السؤال أكثر مما سمعته في الإجابة، وفي السخرية أكثر مما سمعته في اليقين، وفي تلك الرغبة القديمة في الاقتراب من الأشياء التي نفضّل، في العادة، أن نتركها بعيدة عن الأسئلة.
ومن هذه القراءة الأولى، لا يبدو أن “إمبراطورية نشوى كريم” معنية بمنح قارئها أجوبة نهائية بقدر ما تبدو منشغلة بإرباك يقينه وفتح أبواب السؤال أمامه.
بعض الكتب تمنحنا أجوبة فنغلقها ونمضي، وبعضها يزرع في رؤوسنا سؤالا، فنغلق الكتاب ويبقى السؤال مفتوحا، وأحسب، مما قرأت، أن خالد اختار الطريق الثاني.
قبل أكثر من ستة وعشرين عاما، جمعتني بخالد الصحافة وأسئلتها. كنا نبحث خلف الأخبار والوقائع عن شيء لا تقوله العناوين. تغيرت المهنة، وتغيرت بنا الحياة، وكتب كل منا كتبه وسلك طريقه، لكنني، وأنا أقرأ “إمبراطورية نشوى كريم”، وجدت أن شيئا واحدا لم يتغير كثيرا في صديقي القديم.
ما يزال خالد عمر بن ققة يفتش خلف ما يبدو واضحا. يومها كان يفعل ذلك في الصحافة، واليوم يفعله في الرواية، وما يزال يسأل، وربما كان السؤال، في الصحافة كما في الأدب، وفي الحياة قبل كليهما، بداية كل نور.




