السمّ الكامن في جسد الضعيف: كيف تكسر العقارب كبرياء الأفاعي؟ / كتب ا.د كريم فرمان

تُعلمنا حركة التاريخ والسياسة أن موازين القوة ليست قدراً ثابتاً، بل هي أشبه بأمواج البحر في مدّها وجزرها، وصعودها وهبوطها، كثيراً ما تقع الدول والأنظمة في فخ “غرور القوة”، فيظن القوي أن هيمنته سرمدية، ويستصغر شأن خصمه الذي يراه ضعيفاً، غافلاً عن أن الضعف نفسه قد ينطوي على عناصر فناء الأقوياء، هذه الفلسفة العميقة صاغها بدقة الشاعر والفقيه اليمني عُمارة اليمني في قصيدته الشهيرة:
والبيت الذي ذكرته للشاعر عمارة اليمني لا تحتقر كيد الضعيف، هو بيت حكمة شهير،
اذا لم يسالمك الزمان فحارب
وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما
تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد
وخرب فأر قبل سد مأرب .
يُضرب هذا البيت كقاعدة في عدم الاستهانة بالخصوم أو القوى المادية الصغيرة، لأن العبرة ليست بالحجم أو القوة الظاهرة، بل بالتأثير والتدبير والقدرة على إحداث التغيير.\
ويمكن توظيف هذا المعنى بدقة في الأمثلة التاريخية التي ذكرتها على النحو التالي:
1. هدهد سليمان وعرش بلقيس (مملكة سبأ)
تُبرز هذه القصة كيف لـ طائر صغير لا يُؤبه له (الهدهد) أن يكون سببًا في زلزلة وتغيير مصير مملكة عظيمة كمملكة سبأ.
* التوظيف: لم يملك الهدهد جيوشًا ولا سلاحًا، لكنه امتلك العزم والخبر الحاسم الذي قوض ملك بلقيس الشركي وقادها في النهاية للاستسلام والـتأثر بدعوة سليمان عليه السلام. هذا يثبت أن أصغر المخلوقات قد يملك مفاتيح تغيير الممالك الكبرى.
2. الفأر وانهيار سد مأرب (العرم)
يُعد انهيار سد مأرب واحدًا من أشهر الحوادث التاريخية التي غيرت ديموغرافية الجزيرة العربية وتسببت في هجرة القبائل.
* التوظيف: سد مأرب كان معجزة هندسية جبارة تحمي حضارة عظيمة، ولم تسقطه جيوش غازية، بل جرذ (فأر) أخذ ينخر في أصله ويقوض حجارة السد تدريجيًا حتى انهار تمامًا في سيل العرم. هذا المثال يُجسد البيت حرفيًا؛ فالقوة الهائلة للسد انهارت أمام أضعف الكائنات وأصغرها حجمًا.
ولم يكن هذا البيت مجرد حكمة تُلقى في مجالس الأدب، بل تحول إلى وثيقة سياسية بالغة الدلالة عندما وظّفه الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد في رسالة خطية وجهها إلى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي. أراد الأسد حينها -في تلميح مبطن ينم عن تعاطفه مع النظام الناشئ في طهران- أن يبعث بتحذير لـ “بغداد” المنتشية بقوتها العسكرية العاتية أمام دولة تخوض مخاض الثورة، مذكراً إياه بأن لدغات العقارب الصغيرة قادرة على الفتك بأعتى الأفاعي إذا ما استهين بها.
شواهد من التاريخ العربي والإسلامي: صدمة الجبروت
التاريخ العربي والإسلامي زاخر بالمشاهد التي انقلبت فيها الموازين المادية لصالح الفئات التي استُضعفت ولكنها امتلكت إرادة صلبة وكيداً أحال قوة الخصم إلى وبال عليه:
* معركة اليرموك (تحطيم الإمبراطورية البيزنطية): وقف الجيش الإسلامي الناشئ بأعداد وعدة متواضعة أمام زحف الجيش البيزنطي العرمرم الذي كان يمثل القوة العظمى في ذلك العصر. لم تنفع الروم ضخامة أعدادهم ولا دروعهم؛ إذ استثمر المسلمون مرونتهم ومعرفتهم بالأرض لتوجيه “لدغات” قاتلة شتتت صفوف الإمبراطورية وهزت عرشها إلى الأبد.
* معركة عين جالوت (انكسار المغول): اجتاح المغول العالم الإسلامي كأفعى عملاقة تبتلع الأخضر واليابس، وظنوا أنهم قوة لا تُقهر بعد سقوط بغداد. لكن المماليك، ورغم حالة الضعف والتمزق التي كانت تعيشها المنطقة، استطاعوا عبر تكتيك الاستدراج والكيد العسكري المحكم تدمير أسطورة الجيش الذي لا يهزم، فكانت عين جالوت نقطة النهاية للتمدد المغولي.
المقاومة العراقية الحديثة: الفلوجة تكسر أعتى الآلات العسكرية
إذا كان التاريخ القديم يروي لنا تلك العبر، فإن العصر الحديث شهد تجسيداً حياً لبيت عُمارة اليمني على أرض العراق نفسه. حين أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق عام 2003، جاءت بوصفها “الأفعى” الأضخم في العالم، متسلحة بجيش هو الأعظم تاريخياً تكنولوجياً وعسكرياً، وظنت أن السيطرة ستكون خاطفة وسهلة.
لكن المفاجأة برزت من رحم المعاناة والضعف المادي؛ حيث ولدت المقاومة العراقية الباسلة التي اعتمدت تكتيك “سموم العقارب”. لم تواجه المقاومة الجيش الأمريكي في حرب نظامية مكشوفة، بل تحصنت في الشقوق والمدن، ونفثت سموم الاستنزاف عبر العبوات الناسفة، والكمائن الخاطفة، وحرب الشوارع التي سحبت الهيبة الأمريكية إلى الوحل.
وتظل مدينة الفلوجة البطلة الشاهد الأبرز في التاريخ المعاصر على انكسار الجبروت فصمود هذه المدينة الصغيرة بمساحتها، والفقيرة بإمكانياتها العسكرية مقارنة بالترسانة الأمريكية، استطاعت أن تصبح “عقرباً” يلقن الإدارة الأمريكية درساً قاسياً.
* هز عرش بوش: في معارك الفلوجة، تحطمت غطرسة الرئيس الأمريكي جورج بوش وجيشه المدجج بأحدث وسائل القتل. صمدت المدينة وبددت أوهام “النصر السريع”، وتحولت أشلاؤها وجدرانها إلى مقبرة لسمعة المشاة البحرية الأمريكية (المارينز)وإجبرتها على الانسحاب.
كانت ضربات المقاومة العراقية، التي انطلقت شرارتها الكبرى من الفلوجة والرمادي وبغداد وغيرها من المدن، بمثابة ضخ متواصل للسم البطيء في جسد الاحتلال.
خــــــــاتمة: الإنسانية والاتّعاظ بمدّ التاريخ وجزره
إن الدرس الأبلغ الذي يجب أن تعيه الإنسانية هو أن الدول والأنظمة قائمة على التغير الحتمي كما هي جوهر مقدمة ابن خلدون فالمغرور بقوته اليوم هو ضعيف الغد، والمستهان به اليوم قد يملك مفاتيح دمار خصمه غداً. التاريخ لا يرحم ، والسنن الكونية تُثبت أن دوام الحال من المحال، وأن الحروب لا تحسمها دائماً موازين القوى المادية، بل تحسمها عدالة القضية وبسالة الإرادة.
بدلاً من أن تُساق البشرية في صراعات مدمرة مدفوعة بوهم السيطرة المطلقة، يجدر بالدول الاتعاظ من هذه العبر.
القوة الحقيقية ليست في ضخامة الأنياب، بل في الحكمة والعدل وفهم أن الطبيعة الإنسانية مبنية على التداول. فالأفاعي مهما كبرت واستطالت، ستبقى نهايتها رهناً بلدغة مباغتة من عقرب صغير استهانت بوجوده.




