إفريقي ومغاربيالأخبارقضايا المجتمع

المرأة المغربية في دائرة صنع القرار.. من فاطمة الفهرية وخناثة بنت بكار إلى فاطمة الزهراء المنصوري

قراءة في مسار الحضور النسائي في المغرب: من صناعة العلم والنفوذ إلى الوصول المباشر لدائرة صنع القرار

الصدى – كتب : محمد عبد الرحمن /

 مع وصول السياسية المغربية من حزب الأصالة والمعاصرة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة المغربية بتكليف من ملك المغرب محمد السادس على إثر فوز حزبها في الانتخابات التشريعية مؤخرا ، تتجه الأنظار لمسيرة المرأة المغربية ، وتطرح في الفضاء العام أسئلة كثيرة حول مدى قدرة المرأة المغربية على القيادة وصناعة القرار

 

وبالعودة لتاريخ المرأة المغربية نجد أن وصول المنصوري لرئاسة الحكومة المغربية لا يمثل بداية تحرك المرأة المغربية للوصول للمراكز الحساسة ولا يعني وصول  المرأة المغربية إلى قمة هرم السلطة دفعة واحدة، ولم تكن فاطمة الزهراء المنصوري، التي عيّنها الملك محمد السادس يوم 29 سبتمبر 2026 رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، نقطة بداية لحكاية جديدة بقدر ما تمثل محطة متقدمة في مسار طويل، تتداخل فيه المعرفة بالسياسة، والنضال الوطني بالرياضة، والفكر بالنضال الحقوقي، والعمل الاجتماعي بصناعة القرار.

 

ذلك أن تاريخ المغرب نفسه يحتفظ بأسماء نسائية لم تكن على هامش السلطة أو المجتمع، بل في قلب التحولات التي صنعت ملامح الدولة والمجال العام. من فاطمة الفهرية التي ارتبط اسمها بتأسيس جامع القرويين في فاس خلال القرن التاسع الميلادي، إلى زينب النفزاوية التي تصفها دراسات أكاديمية بأنها اضطلعت بدور سياسي وثقافي محوري في صعود دولة المرابطين، وصولاً إلى السيدة الحرة وخناثة بنت بكار، حيث أخذ حضور المرأة صورة أكثر مباشرة في الحكم والتدبير السياسي.

 

 

فاطمة الفهرية.. حين بدأت صناعة النفوذ من بوابة العلم

 

في سنة 859 ميلادية، ارتبط اسم فاطمة الفهرية بتأسيس مسجد القرويين في فاس، وهو الصرح الذي تحول مع مرور الزمن إلى مركز علمي وفكري ذائع الصيت. وتكشف هذه التجربة المبكرة أن المرأة المغربية لم تكن حاضرة فقط بوصفها متلقية للمعرفة، بل كانت قادرة على الاستثمار في العلم وبناء مؤسسات استمر أثرها قروناً طويلة.

 

لم تكن قوة الفهرية في امتلاك المال فحسب، وإنما في تحويل الثروة إلى مؤسسة ذات أثر عام؛ وهي واحدة من أقدم الصور التاريخية لدور المرأة في صناعة المجال العمومي المغربي عبر بوابة المعرفة.

 

زينب النفزاوية.. المرأة التي دخلت إلى صميم القرار السياسي

 

مع زينب النفزاوية انتقلت الصورة من تأسيس المؤسسة إلى التأثير في صناعة السلطة نفسها. وتذهب دراسة منشورة في *Oxford Research Encyclopedia of African History* إلى أنها كانت ذات حنكة سياسية، ومستشارة لأبي بكر بن عمر، وشريكة في الحكم مع يوسف بن تاشفين، وأن معرفتها بالمجتمع المستقر والسياسة المحلية في أغمات كانت ذات أهمية في تطور الدولة المرابطية.

 

 

هنا لم تعد المرأة مجرد قوة اجتماعية أو اقتصادية من خلف الستار؛ بل أصبحت طرفاً في الحسابات السياسية وفي صناعة القرار وتوجيه السلطة. ولعل أهمية زينب النفزاوية أنها تجعل من حضور المرأة في التاريخ السياسي المغربي ظاهرة أقدم بكثير من الدولة الحديثة.

 

 

السيدة الحرة.. حاكمة تطوان .. عندما أصبحت السلطة عنواناً للحضور النسائي

 

وفي القرن السادس عشر، تبرز شخصية السيدة الحرة، لالة عائشة بنت علي بن راشد العلمي، التي حكمت تطوان، وارتبط اسمها بإدارة المدينة وعلاقاتها السياسية، قبل أن تتزوج السلطان الوطاسي أحمد وتحتفظ بمكانتها ونفوذها. وتوثق مصادر مغربية تاريخية أنها كانت ابنة مؤسس شفشاون علي بن راشد، وأنها تولت الحكم في تطوان في مرحلة كانت فيها المدينة ومحيطها يواجهان ضغوطاً وصراعات إقليمية ودولية.

 

 

وتكتسب السيدة الحرة دلالتها من كونها جسدت نموذجاً نادراً لامرأة تمارس السلطة بصورة مباشرة في بيئة إقليمية مضطربة، وتتعامل مع التوازنات العسكرية والسياسية التي فرضتها المواجهة مع القوى الأوروبية في البحر المتوسط.

 

خناثة بنت بكار.. من البلاط إلى ممارسة النفوذ

 

بعد السيدة الحرة  بقرون، أعادت خناثة بنت بكار تعريف الحضور النسائي داخل السلطة من بوابة البلاط العلوي. فقد كانت زوجة للسلطان مولاي إسماعيل، وبرزت في الحياة السياسية المغربية خلال عهده، واستمر تأثيرها بعد وفاته، خاصة بوصفها والدة السلطان مولاي عبد الله. وتصفها مصادر تاريخية بأنها كانت من النساء ذوات العلم والنفوذ في الدولة العلوية، كما تشير روايات تاريخية إلى تدخلها في قضايا الحكم والخلافة.

 

 

واللافت في تجربتها أن النفوذ لم يكن مرتبطاً بالموقع الرمزي داخل القصر فقط، وإنما بالقدرة على التأثير في مسارات الدولة في لحظات حساسة. ومن هنا تبدو خناثة بنت بكار حلقة وسيطة بين المرأة ذات النفوذ التاريخي والمرأة التي ستدخل لاحقاً مؤسسات الدولة الحديثة من أبوابها الرسمية.

 

و من خصوصيات السيدة خناثة بنت بكار أنها تربط  وتوثق الوشائج الاجتماعية التاريخية بين المغرب وموريتانيا لكونها كريمة الشيخ بكار المغفري من أولاد عبد الله  بولاية لبراكنة و تنتمي إلى عرش أولاد بكار البركني، قبل أن يتزوجها السلطان  مولاي إسماعيل، وتصبح مكينة في عرشه نظرا لحضورها العلمي والسياسي القوي.

 

مليكة الفاسي.. المرأة تدخل معركة الاستقلال

 

مع القرن العشرين، تغيرت طبيعة المعركة. لم تعد القضية هي ممارسة السلطة في زمن السلاطين، وإنما المشاركة في بناء الدولة الوطنية.

 

هنا يأتي اسم مليكة الفاسي، الكاتبة والمناضلة والسياسية التي انخرطت في الحركة الوطنية المغربية، وكانت المرأة الوحيدة ضمن الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 وفق المصادر التي توثق مسارها. كما ارتبط اسمها بالدفاع عن تعليم الفتيات وتمكين المرأة والعمل الوطني

 

 

وكانت دلالة مليكة الفاسي أعمق من مجرد كونها امرأة وقّعت وثيقة سياسية؛ فقد أثبت وجود المرأة داخل الحركة الوطنية أن معركة الاستقلال لم تكن شأناً رجاليا خالصاً، وأن المرأة كانت شريكاً في صياغة السؤال الوطني ومواجهة الاستعمار.

 

 

ثريا الشاوي.. كسر الحاجز في السماء.. أول طيارة مغربية وربما عربية

 

وإذا كانت مليكة الفاسي قد اقتحمت المجال السياسي، فإن ثريا الشاوي اقتحمت مجالاً آخر كان يبدو أكثر انغلاقاً أمام المرأة. فقد حصلت سنة 1951، وهي في السادسة عشرة من عمرها، على شهادة الطيران، لتصبح أول امرأة مغربية تقود طائرة. وتوثق المنظمة العربية للطيران المدني هذا الإنجاز الذي تحقق في مرحلة الحماية الفرنسية.

 

لم يكن تحليق ثريا الشاوي مجرد إنجاز رياضي أو مهني؛ كان رسالة اجتماعية مبكرة بأن المرأة المغربية قادرة على تجاوز الحدود التي يرسمها المجتمع والجنس والظرف السياسي.

 

وقبل أن تبلغ العشرين، اغتيلت سنة 1956 في ظروف أحاط بها الغموض. لكن عمرها القصير لم يمنع قصتها من التحول إلى واحدة من رموز الجيل المغربي الذي أراد أن يجعل الاستقلال بداية لبناء إنسان جديد، لا مجرد نهاية للحماية.

 

 

نوال المتوكل.. من الإنجاز الفردي إلى الموقع المؤسساتي

 

في سنة 1984، جاء الدور على نوال المتوكل لتفتح باباً آخر. فقد أصبحت في أولمبياد لوس أنجلوس أول امرأة مغربية وعربية وإفريقية ومسلمة تفوز بذهبية أولمبية، عندما انتصرت في سباق 400 متر حواجز. وكان انتصارها أول ذهبية أولمبية في تاريخ المغرب.

 

لكن الأهم أن مسار نوال لم يتوقف عند الرياضة. فقد انتقلت لاحقاً إلى مواقع إدارية وسياسية ورياضية دولية، وهو ما جعل تجربتها نموذجاً لتحويل النجاح الفردي إلى حضور في المؤسسات وصناعة السياسات.

 

فاطمة المرنيسي.. معركة المرأة داخل العقل

 

أما فاطمة المرنيسي، فقد خاضت معركة مختلفة هي  معركة الأفكار،

السوسيولوجية والكاتبة المغربية جعلت من المرأة والإسلام والمجتمع المدني موضوعاً مركزياً في إنتاجها الفكري، وكتبت عشرات الأعمال التي ترجمت إلى لغات عديدة، قبل أن تنال مع سوزان سونتاغ جائزة أمير أستورياس للآداب سنة 2003.

 

 

وفي تجربتها، انتقلت قضية المرأة من فضاء الاحتجاج الاجتماعي إلى فضاء البحث العلمي وإعادة قراءة التراث والعلاقة بين السلطة والجندر. ولذلك كان تأثيرها عابراً للحدود المغربية، وامتد إلى النقاشات العربية والدولية حول المرأة والمجتمع والدين.

 

 

عائشة الشنا.. من الهامش الاجتماعي إلى قلب النقاش الحقوقي

 

وإذا كانت المرنيسي قد اشتغلت على تفكيك الأفكار، فقد اختارت عائشة الشنا الاشتغال على نتائجها الاجتماعية القاسية.

 

فعملت الشنا سنوات طويلة في المجال الصحي والاجتماعي، ثم أسست سنة 1985 جمعية التضامن النسوي التي اهتمت بالأمهات والنساء في أوضاع هشة وسعت إلى إعادة إدماجهن اجتماعياً واقتصادياً. وتحولت تجربتها إلى إحدى أبرز العلامات في تاريخ العمل الاجتماعي النسائي بالمغرب.

 

 

 

لقد دفعت الشنا قضايا كانت مطوقة بالصمت والوصم إلى قلب النقاش العمومي، مؤكدة أن بناء الدولة الحديثة لا يقاس فقط بمؤسساتها السياسية، بل أيضاً بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة.

 

أمينة بوعياش.. المرأة في واجهة الدولة الحقوقية

 

ومع أمينة بوعياش، يتقدم الحضور النسائي خطوة أخرى نحو المؤسسات الوطنية ذات الثقل الاستراتيجي. فهي تترأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وقد جدد الملك محمد السادس تعيينها في المنصب في مارس 2025.

 

 

وتكمن أهمية هذه المحطة في أن المرأة لم تعد فقط موضوعاً للنقاش حول الحقوق والحريات، بل أصبحت في موقع مؤسسي يشارك في تقييم السياسات العمومية ومتابعة قضايا الحقوق والحريات وإبداء الرأي بشأنها.

 

 

فاطمة الزهراء المنصوري.. من تمثيل المرأة إلى قيادة الحكومة

 

وبعد هذه النماذج النسائية التي رسمت بصماتها الخالدة في الوجدان المغربي وفي الاخيلة الجمعية العربية عموما ، خاصة على مستوى مسيرة ومسار الحركة النسائية العربية ، تأتي اليوم  فاطمة الزهراء المنصوري لتضع عنواناً جديداً في هذا المسار.

 

ففي 29 سبتمبر 2026، عيّن الملك محمد السادس المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، وثاني سيدة عربية تصل للمنصب الثاني في الدولة بعد التونسية ….

 

 

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد إضافة امرأة إلى قائمة المناصب العليا، وإنما بانتقال نوعي في دلالة المشاركة السياسية للمرأة المغربية التي كانت قبل قرون مؤسسة للعلم، ومستشارة للحكام، وحاكمة لمدن، وفاعلة في حركة الاستقلال، ومفكرة وناشطة ووزيرة ورياضية دولية، فإذا بها تصل الآن بكل جدارة واستحقاق إلى رأس الجهاز الحكومي المغربي بمؤازرة ملكية لم تفتقدها المرأة المغربية عبر تاريخ ملوكها.

 

 

المرأة المغربية .. من النفوذ إلى صناعة القرار.. قراءة سريعة في مسارها المهني ومسيرتها السياسية ؟

 

تكشف السيرة والمسيرة الخاصة  بقائمة النماذج النسائية المغربية التي استعرضنا تاريخها باقتضاب في هذا التقرير أن حضور المرأة المغربية لم يبدأ مع الدستور الحديث، ولم تصنعه القوانين وحدها. لقد مرّ بمراحل متراكمة من فاطمة الفهرية بنت المؤسسة، وزينب النفزاوية التي أثرت في صناعة الحكم، والسيدة الحرة التي مارست السلطة، وخناثة بنت بكار التي نافست داخل دوائر القرار، ومليكة الفاسي المشاركة في معركة الاستقلال، وثريا الشاوي التي  كسرت الحواجز الاجتماعية، ونوال المتوكل التي صنعت اختراقاً عالمياً، وفاطمة المرنيسي التي أعادت صياغة السؤال الفكري، وعائشة الشنا التي  جعلت المهمشات جزءاً من النقاش العام، وأمينة بوعياش التي دخلت صلب المؤسسة الحقوقية، وصولاً إلى فاطمة الزهراء المنصوري التي وصلت إلى رئاسة الحكومة.

 

وبذلك تبدو قصة المرأة المغربية، في جانب منها، قصة انتقال تدريجي من التأثير إلى التمثيل، ومن التمثيل إلى الشراكة، ومن الشراكة إلى القيادة.

 

لكن السؤال الأهم الذي تفرضه محطة المنصوري ليس: هل وصلت المرأة المغربية إلى القمة ؟

 

لقد وصلت بكل جدارة ولكن السؤال هو هل يتحول وصول فاطمة المنصوري الذي هو وصول للمرأة المغربية إلى قمة القرار – هل يتحول-  من لحظة تاريخية رمزية إلى قاعدة سياسية ومؤسساتية دائمة، تجعل الكفاءة معياراً للحضور لا الاستثناء معياراً للاحتفاء؟

ذلك هو السؤال الصعب الذي ينتظر الإجابة مجسدة على أرض الواقع التنموي والاقتصادي المغربي لا إجابة مطرزة على الورق بالحبر الفاخر ، إنه سؤال التحدي لرئيسة الحكومة المغربية الجديدة الذي ستحدد الإجابة عليه مستقبلها ومستقبل المرأة المغربية وحتى العربية في الوصول لدائرة صنع القرار ، ورغم مسيرتها التنموية والسياسية التي تشي بقدرتها على كسب الرهان و تسطير ملحمة تنموية جديدة في المغرب يبقى السؤال مشروعا ومطروحا ، وقد تحدد المائة يوم الأولى من أدائها ملامح قيادة المنصوري للحكومة المغربية في لحظة عربية وإقليمية مأزومة بأزمات سياسية وطاقوية خطيرة تربك اقتصاديات الدول الكبرى والدول النفطية ، فكيف سترسم فاطمة المنصوري خطة الإبحار بالسفينة المغربية في بحر  إقليمي ودولي  يعج بأمواج الأزمات والتطورات المتسارعة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى