الأخبارمقالات و تحليلات

تراتيل الفرح المؤجل وسلطان العُرف اذا كنت في جزر القمر لا تحمل هم الزواج؟ / كتب: أ.د. كريم فرمان

الصورة د. كريم فرمان الاكاديمي العراقي البارز الدكتور فرمان مع رئيس جزر القمر الأسبق احمد عبدالله سامبي

في مقاله الجديد  «تراتيل الفرح المؤجل وسلطان العُرف: إذا كنت في جزر القمر لا تحمل هم الزواج؟»، يأخذنا الأكاديمي العراقي البارز الدكتور كريم فرمان في رحلة إنسانية وثقافية إلى أرخبيل جزر القمر، حيث تتشابك بساطة الزواج مع سطوة التقاليد، وتكشف الأعراف الاجتماعية عن مفارقات تستحق التأمل. ومن خلال تجربة شخصية عايش تفاصيلها، يرسم الكاتب مشاهد نابضة بالحياة، تتصدرها حكاية وزير لم تمنحه مكانته الرسمية حق الجلوس في الصفوف الأولى، لأن العرف لم يستوفِ شروطه بعد! وبأسلوب يجمع بين السرد المشوق والمفارقة الذكية والملاحظة الدقيقة، يتجاوز المقال حدود الحكاية الطريفة ليضيء جوانب من منظومة القيم والتكافل الاجتماعي وعزة النفس لدى القمريين، مقدماً للقارئ نافذة مختلفة على مجتمع تتجاور فيه قيود التقاليد ودفء التضامن الإنساني.

المصدر : الكابت /

في قلب المحيط الهندي، حيث ترتمي جزر القمر الساحرة كقطع من زمرد بالقرب من مضيق موزمبيق، تتجلى فلسفة مغايرة تماماً لمفهوم مؤسسة الزواج وتكاليفها. فبينما تئن المجتمعات العربية والإسلامية تحت وطأة الشروط التعجيزية والمظاهر الباذخة، تبسط هذه الجزر يد التيسير إلى حد مدهش.

لكي تبدأ رحلة بناء أسرة هناك، لا يتطلب الأمر أكثر من خاتم ذهبي أو قلادة بسيطة لتقديمهما في الخطوبة، يتبعها عقد القران. هنا يدخل العروسان عش الزوجية بهدوء وسكينة، بعيداً عن صخب الحفلات، وقرع الطبول، ونحر الذبائح، وولائم المعازيم. فالمجتمع القمري يمنح المرء فرصة ذهبية: “تزوّج الآن، وأجل الصخب لحين ميسرة”، ولو امتد هذا التأجيل لعقد من الزمان! ينخرط الزوجان في الحياة، ينجبان البنين والبنات، حتى إذا ابتسم لهما الحظ وتبدلت الأحوال المادية، صار لزاماً عليهما بموجب العرف المقيم أن يخوضا غمار ما يُعرف بـ “الزواج الكبير” (Grand Mariage).

وهذا الحفل ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو كرنفال اجتماعي يمتد لثلاثة أيام بلياليها، يلتزم فيه العريس بإطعام القاصي والداني في وليمة هائلة، وتقديم هدايا عينية للمدعوين (كالقمصان والطقاقي المحلية المزركشة)، بل ويتحمل كرمه التكفل بنفقات عودة الضيوف إلى قراهم البعيدة إن كانوا لا يملكون وسائل نقل.

 

حصار المجتمع والبروتوكول المسلوب

قد يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي: ما الداعي لتكبد هذه المشاق والنفقات الطائلة، طالما أن الزواج قد تم بالفعل، والأبناء قد كبروا وترعرعوا تحت سقف واحد؟

الإجابة تكمن في سطوة العُرف وقوة التقاليد المتجذرة في بنية هذا المجتمع المتماسك. إن الرجل الذي لم يقم “العرس الكبير” يظل في نظر مجتمعه ناقص المكانة؛ فلا يحق له أن يتصدر مجالس الرجال، أو يشارك في نقاشات دواوينهم، والأدهى من ذلك، يُحظر عليه اجتماعياً صلاة الجمعة في الصفوف الأولى بالمسجد.

وتحضرني هنا تجربة شخصية فريدة عشتها إبان رئاستي لبرنامج التنمية العلمية والإنسانية التابع لجامعة الدول العربية في جزر القمر. فقد دعاني صديق قمري عزيز—كان يشغل حينها منصب وزير الدفاع والداخلية المكلف، وهو أستاذ جامعي في غاية النبل والتهذيب—لنرافقه يوم جمعة إلى قريته خارج العاصمة “موروني” لأداء الصلاة وتناول الغداء معه.

عند دخولنا المسجد، التفتُّ يمنة ويسرة فلم أجد معالي الوزير في الصف الأول، ولا حتى في الصف الذي يليه. وبعد انقضاء الصلاة سألته بدهشة: “أين اختفيت يا معالي الوزير؟”، فأجابني بابتسامة وقار يغلفها التسليم: “يا أخي، أنا لم أقم حفل الزواج الكبير حتى يومنا هذا، ولذلك لا يحق لي شرعاً وعُرفاً الصلاة إلا في الصفوف الأخيرة؛ فمخالفة العرف الاجتماعي هنا عيب لا يغتفر”. ولم يتوقف الأمر عند حدود المسجد؛ بل امتد إلى مأدبة الغداء، حيث لم يجلس معالي الوزير على مائدة كبار الضيوف، بل تنحى جانباً وتولى شقيقه الأصغر (مادو) شرف ضيافتنا وإدارة المأدبة، لمجرد أن الأخ الأصغر كان قد أقام عرسه الكبير قبل شهور قليلة”ع مائدة الضيوف وتكفل … بالمهمة شقيقه الاصغر مادو الذي”

في طريق عودتنا، لم أتمالك نفسي من ممازحته قائلاً: “لو كنت في بلد عربي آخر، لتمكنت بنفوذك هذا من قيام انقلاب عسكري، وإذاعة البيان رقم واحد، وتشكيل حكومة كاملة.. لكنك هنا في جزر القمر، لا تملك سلطة الصلاة في الصف الأول”! وكان المشهد بحد ذاته لوحة من البساطة؛ فالوزير يقود بنا سيارة صالون يابانية متواضعة (تويوتا صُنعت في الصين)، وتتبعنا سيارة نصف نقل (بيك أب) تحمل حارساً وحيداً يحمل بندقية بدائية.

 

ملامح شعب: عزة النفس ودفء الطبيعة

 

تزخر جزر القمر بالمفارقات اللطيفة؛ فمن طرائفها الخالية تماماً من تفسير حديث، أنك لن تجد في إرجائها كلباً واحداً، إذ يسود اعتقاد قاطع بنجاستها ويتم التخلص منها فوراً.

وعلى الرغم من أن هذا الشعب يُصنف في تقارير الأمم المتحدة تحت خط الفقر، إلا أنك ستقف إجلالاً أمام أنفة وعزة نفس أفراده. فمن الاستحالة بمكان أن تلمح سائلاً أو شحاذاً واحداً في طرقات الحارات؛ إذ يعد التسوّل منقصة وعيباً يطال العائلة بأكملها. وبدلاً من الاستجداء، يتغلب القمرّيون على قسوة الحياة بالتكافل الجمعي العجيب؛ فالقرية هناك ليست مجرد جغرافيا، بل هي وحدة اجتماعية وسياسية متلاحمة تتضامن لجمع التبرعات لعلاج مريض، أو توفير تذكرة سفر ومصروفات طالب مبتعث نال منحة دراسية في الخارج. 

إنها بلاد واعدة وجميلة، تلتحف بغابات كثيفة من أشجار المانجو، والبرتقال، ونخيل جوز الهند، حتى إن ثمار المانجو الشهية تتساقط على قارعة الطرقات من كثرتها دون أن تمتد إليها يد. بلد يفيض بالأمان لدرجة تندُر معها رؤية شرطي واحد بعد منتصف النهار؛ فالجميع هناك يعرفون بعضهم، ويتبادلون الاحترام العميق. ولقد كنت شاهداً مراراً وتكراراً على أبواب بيوتهم البسيطة وهي مشرعة ليلاً ونهاراً، في طمأنينة عزّ نظيرها في عالمنا المعاصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى