الرأيفضاء الرأي

المفكر البارز علي محمد الشرفاء الحمادي.. العدالة وتكريم الإنسان ومقاومة الفساد من منظور قرآني

قراءة فكرية: حين تصبح القيم أساساً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع

معالي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي/ كاتب ومفكر إسلامي ، مدير ديوان سابق للرئيس الاماراتي الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

كتب : محمد عبد الرحمن /

ليست أزمة المجتمعات في نقص الموارد وحده، ولا في تضارب المصالح فحسب، بل قد تكمن جذورها الأعمق في اختلال منظومة القيم التي تحكم علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، وفي غياب العدالة والمساءلة وتراجع الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع. ومن هذه الزاوية، يطرح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، في مقاله «الفساد صناعة بشرية حين أعرض الإنسان عن هدي ربه»، رؤية تربط بين السلوك الإنساني ونتائجه الاجتماعية، وتعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن بناء مجتمع يحفظ كرامة الإنسان، ويقاوم الفساد، ويجعل العدل أساساً للعلاقات بين أفراده ومؤسساته؟

تنطلق أهمية هذه الرؤية من نقل النقاش حول الفساد من مجرد إدانة مظاهره إلى البحث في أسبابه الإنسانية والأخلاقية، ومن الاكتفاء بوصف الأزمات إلى مساءلة منظومة القيم والممارسات التي تنتجها. فالفساد، وفق هذا المنظور، ليس ظاهرة منفصلة عن الإنسان، وإنما يرتبط بالاختيارات التي يتخذها، وبالأنظمة التي تسمح له بالانتشار، وبمدى احترام المجتمع لمبادئ العدل والأمانة وصيانة الحقوق.

الفساد صناعة بشرية.. والمسؤولية تبدأ من الإنسان

يؤكد الشرفاء الحمادي في مقاله أن الفساد يرتبط بأفعال البشر وابتعاد سلوكهم عن القيم التي تنظم الحياة على أساس العدل والرحمة والسلام. ويستند في طرحه إلى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41).

وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من إسناد المسؤولية عن كثير من مظاهر الاختلال إلى الفعل الإنساني، بدلاً من التعامل معها باعتبارها قدراً لا يمكن تغييره، أو نتيجة حتمية لظروف خارجة عن إرادة المجتمع.

فالفساد الإداري، واستغلال النفوذ، والاعتداء على المال العام، والتمييز في إتاحة الفرص، وحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم، ليست مجرد أخطاء إجرائية؛ إنها ممارسات تمس الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتضعف الشعور بالمساواة، وتعرقل فرص التنمية.

لكن مقاومة الفساد لا تتحقق بالمواعظ وحدها، مهما كانت أهميتها في بناء الضمير الفردي. فهي تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وقضاء مستقل، ورقابة فعالة، وإدارة شفافة، وآليات تضمن محاسبة المسؤولين من دون تمييز.

ومن هنا، يمكن توسيع الفكرة التي يطرحها الشرفاء الحمادي لتشمل مستويين متكاملين: إصلاح الإنسان من خلال ترسيخ قيم الأمانة والمسؤولية، وإصلاح المؤسسات من خلال منع استغلال السلطة وإغلاق المنافذ التي تسمح بتحويل الوظيفة العامة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

فالضمير الحي ضرورة، لكنه لا يغني عن القانون، كما أن القانون لا يحقق غايته كاملة إذا غابت ثقافة احترامه.

العدالة.. المعيار الذي لا يستثني أحداً

تحتل العدالة مكانة مركزية في المنظومة القيمية التي يدعو إليها القرآن الكريم، وهي من أبرز المداخل التي يمكن من خلالها قراءة مشروع الشرفاء الحمادي الفكري.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، كما يؤكد ضرورة الالتزام بالعدل حتى عندما يتعلق الأمر بالنفس أو الأقربين، في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).

وتؤسس هذه المبادئ لمفهوم يتجاوز العدالة بوصفها شعاراً أخلاقياً إلى اعتبارها معياراً حاكماً للسلوك الفردي والأداء المؤسسي والعلاقات الاجتماعية.

فالعدل لا يعني فقط إنصاف المظلوم بعد وقوع الضرر، بل يعني أيضاً بناء أنظمة تمنع وقوع الظلم، وتضمن تكافؤ الفرص، وتحمي حقوق المواطنين، وتتيح لهم الوصول إلى الخدمات والموارد العامة من دون محاباة أو تمييز.

كما أن العدالة لا تكون انتقائية؛ فلا يستقيم إدانة فساد الخصوم والتغاضي عن فساد المقربين، ولا المطالبة بتطبيق القانون على الضعفاء مع إعفاء أصحاب النفوذ من المساءلة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ربط الخطاب القيمي بمفهوم المواطنة المتساوية، حيث لا تتحدد قيمة الإنسان بموقعه الاجتماعي أو ثروته أو انتمائه، وإنما يتمتع بحقوقه الإنسانية والقانونية التي ينبغي حمايتها بصورة عادلة.

إن المجتمع الذي يجعل العدالة قاعدة ثابتة في مؤسساته يحد من أسباب الاحتقان، ويعزز الثقة العامة، ويمنح المواطنين شعوراً بأن القانون يحميهم جميعاً، لا أنه أداة في يد الأقوى.

تكريم الإنسان.. أساس العمران والتنمية

من الأفكار الجوهرية التي تستحق إبرازها في هذا السياق أن الإنسان ليس مجرد وسيلة لتحقيق أهداف الدولة أو المجتمع، بل هو الغاية الأساسية لأي مشروع تنموي يسعى إلى بناء حياة كريمة.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).

ويفتح هذا المبدأ أفقاً واسعاً للتفكير في حقوق الإنسان وكرامته، بعيداً عن اختزال قيمته في قدرته الإنتاجية أو مكانته الاقتصادية أو الاجتماعية. فالإنسان يستحق الاحترام وصيانة الحقوق، ولا يجوز أن يتحول إلى ضحية للتعسف أو الإقصاء أو الاستغلال.

وتكريم الإنسان، في المجال العام، يعني أن تكون السياسات الاقتصادية والاجتماعية موجهة نحو تحسين حياته، وأن تتوافر له فرص التعليم والعمل والعلاج، وأن تصان حريته وكرامته، وأن يجد في المؤسسات العامة جهة تحمي حقوقه وتستجيب لحاجاته.

كما يعني رفض كل ممارسة تنتقص من قيمة البشر أو تحولهم إلى أدوات في صراعات المصالح والنفوذ.

ومن هذا المنطلق، فإن مقاومة الفساد ليست مسألة مالية أو إدارية فحسب؛ إنها أيضاً قضية إنسانية، لأن آثار الفساد لا تتوزع بالتساوي على الجميع. فحين تُهدر الموارد العامة، أو تُحرم الفئات الضعيفة من الخدمات، أو تُمنح الفرص على أساس المحاباة، يكون الإنسان وكرامته أول المتضررين.

ولهذا، فإن نجاح أي مشروع للإصلاح ينبغي ألا يقاس بعدد القوانين التي يصدرها، أو بحجم الموارد التي يحشدها وحده، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس، وقدرته على صون حقوقهم وتحقيق الإنصاف بينهم.

الاستخلاف في الأرض.. مسؤولية لا امتياز

يرتبط تكريم الإنسان في المنظور القرآني بمسؤوليته عن أفعاله ودوره في الحياة. فالإنسان ليس مجرد مستفيد من خيرات الأرض، بل يتحمل مسؤولية التعامل معها ومع الآخرين بما يحفظ التوازن ويمنع الإفساد.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، يبرز مفهوم الاستخلاف بوصفه مدخلاً للتفكير في موقع الإنسان ومسؤوليته في الأرض.

ويمكن قراءة هذا المفهوم، في سياق الفكر الإصلاحي، باعتباره دعوة إلى العمل والبناء والإعمار، لا إلى الاستعلاء أو احتكار الموارد أو استغلال السلطة.

فالمسؤولية تقتضي أن يستخدم الإنسان ما يمتلكه من معرفة وقدرات وإمكانات في تحقيق الخير العام، وأن يدرك أن السلطة والمال والمكانة الاجتماعية ليست مبررات للهيمنة على الآخرين، بل تضع على أصحابها واجبات إضافية في احترام الحقوق وتحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن المسؤول الذي يتولى تدبير الشأن العام مؤتمن على مصالح المواطنين، وليس مالكاً لها؛ والموظف العام يؤدي وظيفة لخدمة المجتمع، وليس لتحقيق مكاسب شخصية؛ ورجل الأعمال يشارك في النشاط الاقتصادي ضمن منظومة من الحقوق والواجبات التي تقتضي احترام القانون وعدم الإضرار بالمصلحة العامة.

ويكتمل هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77).

فالإعمار ومقاومة الفساد ليسا مسارين منفصلين؛ إذ لا يمكن بناء تنمية مستدامة في بيئة تستنزف مواردها، أو تهدر حقوق الناس، أو تجعل المصالح الخاصة مقدمة على الصالح العام.

الإصلاح يبدأ بالوعي.. ويكتمل بتغيير الواقع

يربط الشرفاء الحمادي بين أفعال الإنسان والنتائج التي تترتب عليها، ويستحضر في مقاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

وتتيح هذه الآية مدخلاً للتفكير في العلاقة بين الوعي الفردي والإصلاح الجماعي، إذ يصعب بناء واقع أكثر عدلاً إذا ظلت الممارسات اليومية قائمة على قبول الرشوة، أو تبرير المحاباة، أو الصمت عن الاعتداء على الحقوق، أو التعامل مع المال العام باعتباره ملكية بلا صاحب.

لكن تغيير السلوك الفردي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء المؤسسات من مسؤولياتها، أو تحميل الأفراد وحدهم نتائج الاختلالات البنيوية. فالإصلاح الفعلي يحتاج إلى إرادة اجتماعية، وسياسات عامة واضحة، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وتعليم يعزز التفكير النقدي واحترام القانون، وإعلام قادر على كشف التجاوزات استناداً إلى الأدلة.

وهنا تبرز أهمية الجمع بين التربية الأخلاقية والإصلاح المؤسسي. فالأولى تعزز استعداد الإنسان لاختيار السلوك الصحيح، والثاني يوفر الضمانات التي تمنع تحويل الانحراف الفردي إلى ممارسة مستقرة داخل المؤسسات.

كما أن نشر الوعي لا يقتصر على التحذير من الفساد، بل يتطلب تعريف الناس بحقوقهم، وتوضيح آليات حمايتها، وتشجيعهم على المشاركة في الشأن العام، وإتاحة المعلومات التي تساعدهم على تقييم أداء المؤسسات ومساءلة المسؤولين.

من القيم إلى مشروع حضاري

إن أهمية الأفكار التي يطرحها علي الشرفاء الحمادي لا تكمن في إدانة الفساد أو الدعوة إلى التمسك بالقيم فحسب، بل في إمكان تحويل هذه المبادئ إلى رؤية متكاملة لإصلاح علاقة الإنسان بالمجتمع والدولة.

فالعدالة تحتاج إلى قوانين ومؤسسات تحميها، وكرامة الإنسان تحتاج إلى سياسات تصون حقوقه، ومقاومة الفساد تحتاج إلى رقابة ومحاسبة وشفافية، والاستخلاف في الأرض يحتاج إلى ثقافة تجعل المسؤولية أساساً لاستخدام السلطة والموارد والمعرفة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تشكل القيم القرآنية المتعلقة بالعدل والإحسان وكرامة الإنسان والنهي عن الفساد إطاراً أخلاقياً عاماً يوجه العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، من دون أن يحل الخطاب الوعظي محل البحث العلمي أو التشريع أو السياسات العامة.

كما أن بناء مجتمع أكثر عدلاً يقتضي أن تصبح هذه القيم جزءاً من الممارسة اليومية، في المدرسة والجامعة والإدارة والقضاء والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية، بحيث لا تظل العدالة مجرد نصوص محفوظة، ولا يتحول تكريم الإنسان إلى شعار منفصل عن الواقع.

إن جوهر الإصلاح هو الانتقال من الإيمان بالقيم إلى الالتزام بها، ومن إدانة الفساد إلى بناء المؤسسات التي تحاصره، ومن الحديث عن كرامة الإنسان إلى صيانة حقوقه فعلياً.

وهذه هي المسافة التي ينبغي أن يقطعها أي مشروع فكري يسعى إلى إحداث أثر حقيقي في المجتمع: أن يجعل من الإنسان محور التنمية وغايتها، ومن العدالة أساساً للعلاقات، ومن النزاهة شرطاً للثقة، ومن المسؤولية قاعدة لإدارة الشأن العام.

فالأرض التي أُنيط بالإنسان إعمارها لا يصلح حالها بالموارد وحدها، وإنما بوعي يحسن استخدامها، وعدالة تمنع احتكارها، ومؤسسات تحميها من الفساد، وقيم تحفظ للإنسان كرامته وحقه في حياة آمنة وكريمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى