حكومة الابتذال و الميوعة

في جميع الحضارات المألوفة .. بمعنى من قرانا عنها – ونقلت اخبارها الينا .. او بالاحرى رسخت في ادمغتنا وعقولنا – رغما عنا- اذ لا نمتلك أي قدرة على الفحص والتمحيص .. وجدنا تلك القوى التاريخية – واميل لهذه التسمية التي اعدها اكثر مصداقية من كلمة حضارة التي ما زالت لا تمتلك قدرة التعبير عن نفسها بصورة ادق – ارتكزت على ثلاث نقاط مهمة الاولى تتمثل باس الفكرة فيما ينبغي ان يكون عليه المجتمع الامثل – وهنا اقصد الانساني منه حصرا – أي ما بعد التوحش والتقرد والمشاعية والامية – . والثانية القيادة التي سماها افلا طون زعامة الفيلسوف التي ضمنها اغلب مواصفات الرحمة والعدل والوعي . والثالثة تكمن في حماية تلك الحضارة المزعومة – ان وجدت – عن طريق الجيش ومؤسساته التقليدية عبر مراحل الزمن التي مهمتها الدفاع عن تلك المصالح والافكار والرموز الصانعة لذلك الانموذج الانساني شريطة ان يكون المجتمع مؤمن به كسلوكيات تطبيقية لا قسرية وبحرية راي تام قادر على التمييز في طوعية الدفاع حد التضحية دونه من عدمه !
ما زالت تلك الحقبة او الواحة الفلسفية المنطلقة قبل الفين وخمسمائة سنة في اثنا تثير العقول والدهشة لما انتجته من فكر واعلام الى اليوم يعتد العالم الواعي بنتاجاتهم ويعد افلاطون صاحب الاكاديمية الشهيرة ونظرية المثل من اشهر تلك العقول الخلاقة .. افلاطون كان ناقما على الديمقراطية آنذاك جراء الفوضى السائدة الممهدة لكل من هب لاستغلال حالة الارتخاء المجتمعي وضياع المقاييس مما اتاح للسفسطائيين او معلمي الحكمة التمكن من عقول العامة وقيادة المجتمع .. الذين اخذوا على عاتقهم تعليم الشباب مقابل المال او ما يسمى بتجارة تعليم فن الخطابة وتوظيف المفردات لمصالح الشخص على حساب القيم والمجتمع كتجارة رائجة اتاحتها لهم تلك الفسحة الديمقراطية الاثنية القديمة . حتى لدغهم سقراط ساخرا : ( اي حكمة تلك التي يعلمونها مقابل دراهم معدودة ) تلك المفردة التي زادت غضب المنافقين وادعياء المعرفة ممن كانوا يتساقطون بعين الشعب يوميا جراء اخفاقهم في محاورات سقراط الذي قاده التفوق العقلي والاخلاص الانساني والالهام المسدد لمقصلة الاعدام شاربا كاس السم بمشهد زاد من كراهية افلاطون للديمقراطية التي غيبت استاذه لحساب اشاعة الفوضى .
عام 490 ق م انتصر اليونانيون على الفرس فزاد الشعور بالثقة واطلقت الحرية الفسحة اللازمة للقرائح الشعرية فظهر شعراء مثل سوفولكوس ويوربيدس اللذان جعلا من التراجيديا فنا رائعا بعد ان كان تعيش على عالم الاساطير وظهر السياسي بركليس الذي اتخذ من الفنانين اصدقاء له بما زادهم حظوة ومكانة في عيون الشعب وتشكلت المجالس الشعبية واصبح من السهل التقاضي كحق للمواطن لاتفه الاسباب ولاسفه الحجج حتى وقع سقراط ضحية لها حينما اصطدم مع مصالح الخاصة. بعد ادراكه ان الحرية اعظم ما في الديمقراطية ثم سعى لاشاعة العلم والتربية كنظام صارم لا يستغل متذكرا قول سقراط : ( كل معرفة تبتعد بصاحبها عن العدالة لا يعتد بها) .
ثم ساد الترف النسبي وعممت الفوضى وشاعت الحرية الوهمية التي اتاحت للسفلة والجهلة والفاسدين وعديمي الذوق والشرف من التحصل على فرصة سانحة وقوى داعمة لصناعة الشغب وتعميم الرذيلة والتفاهة باسم الديمقراطية التي لم تصطدم وتصحى الا على اثر كابوس اعدام الفيلسوف سقراط الذي ادى مقتله الى ردت فعل حزينة فجيعة عند النخب .. فجزع افلاطون ومن يدور بفلكه واضطر الى مغادرة اثينا الى ( الاسكندرية بمصر وقورينا بليبيا ) ولا ندري ان كان ذلك بمحض ارادته ام منفيا ام لدراسة وتعلم علوم ومعارف وقيم افضل مما كان سائدا في حضارة اثينا وضواحيها .. ليكتب ما تمخض في عقله وضميره ووعيه افضل ما جاد به العقل البشري انذاك ثم عاد الى اثينا داعيا الى حكم الفلاسفة بعد ادراكه خطورة الحرية المنفلتة التي اشاعت الخرافات والاساطير ولعبت دورا مجتمعيا هداما حتى اخذت روايات هوميرو والالياذة تاسس لمجتمع مفكك متحلل من القيم .
أعتقد افلاطون ان المدن المنظمة سياسيا هي المدبر الوحيد للعدالة لتحقيق طموح الفرد بمختلف المجالات واشاعة اجواء السعادة . عادا للسياسة ثلاث مهام اساسية تتمثل بالادارة والانتاج والدفاع : ( ان الحكومة الارستقراطية الفاضلة افضل الحكومات واسعدها فيما المستبدة اشرها واتعسها) . مقسما النفس والمجتمع الى ثلاث : ( العقلي يتمثل في الحكمة ، والعضلي في حب الجاه والشرف ، والشهوة تتمثل بالكسب والهيمنة ) مركزا على التربية والتعليم لبناء الاجيال بتدريبات بدنية شاقة تجعلهم اقوياء اصحاء واشباع نفوسهم بالموسيقى وحب الخير وابعادهم عن الشعر – خصوصا هوميروس وهزبود – الذي يؤدي الى الميوعة ونشر الفساد والشر).
في آخر سنيه اصدر كتابه القوانين الذي كان فيه واقعيا اكثر من طوباوية الشباب عادا الدستور سلطة عليا وقانون وحيد لا يجوز التجاوز عليه مؤثرا اعداد الفيلسوف القادر على تحقيق العدالة مؤمنا بأواخر ايامه بتحول الفرد العادل الى مؤسسة دستورية تكون اقدر على اداء مهامها بتحقيق العدالة الاجتماعية التي هي اساس كل عدالة وبوابة كل دين وفكر ومبدا خير .




