الوزير السابق د.ختار الشيباني يكتب : حين تشتعل الحروب بعيدا وتصل فواتيرها إلى الداخل !

يتجلى أثر صدمات أسعار الطاقة العالمية بوضوح في الاقتصاد الموريتاني، ليس فقط بوصفه مستوردا صافيا للمحروقات، بل كاقتصاد يعاني أصلا من هشاشة بنيوية تضاعف من حدة التأثر.
فاعتماد البلاد على استيراد الطاقة، الذي يمثّل نحو ثلث إجمالي الواردات، يجعل ميزانها التجاري شديد الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية، في ظل ضعف واضح في التنويع الاقتصادي ومحدودية أدوات السياسة المالية والنقدية، وهي عوامل تقيد قدرة الدولة على امتصاص الصدمات أو توزيع آثارها عبر الزمن.
وقد انتقلت هذه الصدمات إلى الداخل عبر قناة الأسعار، حيث شهدت المحروقات زيادات تدريجية تراوحت في حدود 10% إلى 15% لكل تعديل، وهي نسب تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها تكتسب أثرا تراكميا مهما في سياق ارتفاعات عالمية قد تصل إلى ما بين 20% و40% خلال فترات الأزمات. هذا التراكم انعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، مولدا ما يعرف بالتضخم التكاليفي المتسلسل، حيث تمتد آثار الصدمة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. وفي السياق نفسه، بلغت فاتورة استيراد المحروقات حوالي 661 مليار أوقية قديمة، أي ما يعادل ثلث الواردات، وهو ما يعكس عمق الانكشاف الطاقوي، بينما اضطرت الدولة إلى تخصيص نحو 17 مليار أوقية لدعم المحروقات خلال فترة وجيزة، بما يمثل 13% من الميزانية العامة، مع مخاطر ارتفاع عجزها إلى حدود 7% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي ظل هذه الضغوط، برز ما يعرف بمثلث التعذر في سياسات الطاقة، حيث تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة لا يمكن فيها الجمع بين إبقاء الأسعار منخفضة، والحفاظ على توازن الميزانية، وتجنب اللجوء إلى الاستدانة في آن واحد. وقد انعكست هذه التحديات أيضا على المستوى الاجتماعي، إذ تراجعت القدرة الشرائية للأسر بنسبة تقدر بين 15% و20% من دخلها الحقيقي، وهو ما يهدد بتوسيع دائرة الفقر وإضعاف مؤشرات التنمية البشرية، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة.
ولمواجهة هذه الأوضاع، اعتمدت الحكومة حزمة من الإجراءات شملت تحويلات نقدية لنحو 124 ألف أسرة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 50,000 أوقية، إلى جانب تثبيت أسعار الكهرباء واتخاذ تدابير لترشيد استهلاك الطاقة، فضلا عن إشارات سياسية تهدف إلى تعزيز تقاسم الأعباء. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل في جوهرها استجابة ظرفية ذات طابع دفاعي، ولا تعالج جذور الاختلال البنيوي، خاصة في ظل استمرار الدعم العام الذي يعاني من ضعف الاستهداف وارتفاع التكلفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو إصلاحات هيكلية عميقة، تبدأ بإعادة توجيه الدعم ليصبح أكثر دقة وعدالة، بما يمكن أن يوفر ما بين 30% و40% من تكلفته الحالية، مرورا بالاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصا الشمسية والريحية، كخيار استراتيجي قادر على تقليص فاتورة الاستيراد بنسبة مماثلة على المدى المتوسط، وصولا إلى تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، خاصة في قطاع النقل، بما قد يخفض الطلب على المحروقات بنسبة تتراوح بين 15% و25% دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
وفي المحصلة، حين تستحوذ فاتورة الطاقة على ثلث الواردات، ويستنزف الدعم نسبة معتبرة من الميزانية في فترة وجيزة، فإن الإصلاح الهيكلي لا يعود خيارا مؤجلا، بل ضرورة اقتصادية ملحة. صحيح أن موريتانيا لا تملك التأثير في أسعار الطاقة العالمية، لكنها تمتلك القدرة على تقليص انكشافها لها، عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعا وكفاءة. وبين الاستمرار في إدارة الأزمات أو الانتقال إلى بناء مناعة اقتصادية حقيقية، يتحدد المسار المستقبلي، حيث لا يكمن الرهان في الأرقام وحدها، بل في القدرة على تحويل الصدمات إلى فرصة لإعادة صياغة نموذج تنموي أكثر استدامة واستقلالا.
المصدر : الكاتب




