الأخبارتقارير ودراسات

أزمة الأراضي والعقارات في نواكشوط: بين اختلال التوزيع وتهديد السلم الاجتماعي (ملف)احمد الدوه

تشهد مدينة نواكشوط تحولات ديمغرافية متسارعة خلال العقود الأخيرة، بفعل الهجرة الداخلية والنمو السكاني، وهو ما جعل الطلب على الأرض والسكن يفوق بكثير العرض المتاح. في هذا السياق، برزت أزمة عقارية مركّبة، تتداخل فيها عوامل إدارية واجتماعية واقتصادية، لتتحول من مجرد إشكال تنظيمي إلى قضية تمس السلم الاجتماعي بشكل مباشر.

-اختلالات التوزيع وفجوة الثقة

في مقاطعات مثل تفرغ زينه وتيارت، يتصاعد الجدل حول عدالة توزيع القطع الأرضية. فبينما تعلن الجهات الرسمية عن فتح باب الاستفادة وفق مساطر محددة، يشعر عدد من المواطنين أن النتائج تُحسم سلفًا لصالح أصحاب النفوذ أو العلاقات.
هذا الواقع يخلق فجوة بين النص والتطبيق، ويغذي شعورًا بالإقصاء، حيث لا يُنظر إلى الأرض كحق تنظمه القوانين فحسب، بل كامتياز قد يخضع لموازين غير شفافة. ومع تكرار هذه الحالات، تتآكل ثقة المواطن في الإدارة، وهو ما يمثل خطرًا صامتًا على الاستقرار.

-التخطيط العمراني أمام ضغط التحول الديمغرافي
تعاني نواكشوط من غياب انسجام واضح بين التوسع العمراني والتخطيط الحضري. فالأحياء الجديدة غالبًا ما تنشأ بشكل أفقي غير مهيكل، مع نقص في الخدمات الأساسية (طرق، صرف صحي، مرافق عمومية).
هذا التوسع غير المنضبط يجعل من الصعب على السلطات مواكبة النمو، ويؤدي إلى نشوء أحياء هشة قد تتحول إلى بؤر توتر اجتماعي في المستقبل.

-إشكالية استرجاع الأراضي

من حيث المبدأ، يحق للدولة استرجاع الأراضي غير المستغلة في إطار تنظيم المجال العقاري ومنع المضاربة. لكن الإشكال يبرز عندما يتعلق الأمر بقطع أصبحت مأهولة أو مستثمرة، ويملك أصحابها وثائق إدارية صادرة عن السلطات (حاكم، والي، أو جهات رسمية).
في هذه الحالات، يصبح التطبيق الصارم للقانون – عبر الإزالة القسرية أو الهدم – إجراءً ذا كلفة اجتماعية عالية، وقد يُنظر إليه كتناقض داخل الإدارة نفسها، مما يعمق الشعور بالظلم.
بين القانون والإنصاف: الحاجة إلى مقاربة مرنة
التعامل مع هذه الوضعيات يتطلب توازنًا دقيقًا بين هيبة القانون ومراعاة الواقع الاجتماعي. فبدل اللجوء إلى الحلول الصارمة (كالهدم باستخدام الجرافات)، يمكن اعتماد مقاربات بديلة مثل:
التسوية القانونية مقابل غرامات مالية أو إعادة تنظيم الملكية.
إدماج الأحياء القائمة في المخططات الحضرية بدل إقصائها.
إعادة تقييم الملفات بشكل فردي لتفادي الظلم الجماعي.
هذه المقاربة لا تعني التساهل مع الفوضى، بل تهدف إلى تحويل الإشكال إلى فرصة لإعادة التنظيم دون خلق صدمات اجتماعية.
تهديد السلم الاجتماعي
أزمة العقار في نواكشوط لم تعد مجرد مسألة إدارية، بل أصبحت تمس الإحساس بالعدالة والمساواة. وعندما يشعر المواطن أن حقه في الأرض غير مضمون أو أنه مهدد في أي لحظة بفقدان مسكنه، فإن ذلك قد يؤدي إلى:
تصاعد الاحتقان الاجتماعي،
فقدان الثقة في المؤسسات،
تنامي النزاعات بين الأفراد والدولة.
نحو إصلاح شامل
لمعالجة هذه الأزمة بشكل جذري، تبرز الحاجة إلى:
تعزيز الشفافية في توزيع الأراضي عبر رقمنة الإجراءات ونشر اللوائح بشكل علني.
توحيد المرجعيات الإدارية لتفادي تضارب القرارات.
إصلاح التخطيط العمراني بما يواكب النمو الديمغرافي.
إشراك المواطنين في صياغة السياسات الحضرية.

خاتمة:
إن العدالة في توزيع الأراضي ليست مجرد مسألة سكن، بل هي ركيزة أساسية لبناء مجتمع متماسك يشعر فيه الجميع بالإنصاف. وفي مدينة مثل نواكشوط، حيث تتسارع التحولات، فإن أي تأخر في معالجة هذا الملف قد يضاعف التحديات، بينما يشكل الإصلاح فرصة حقيقية لتعزيز الاستقرار وبناء ثقة دائمة بين الدولة والمواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى