الأخبارفضاء الرأي

كتب المهندس احمد أعمر /بين جرافات الدولة ودموع المواطن

رأيتُ اليوم، كما رأى غيري من روّاد هذا الفضاء، مشاهدَ لا تليق بصورة الدولة ولا بروح المجتمع. مشاهدَ تكسير منازل وبنايات لمواطنين عُزّل، بجرافاتٍ تحيط بها قوات الأمن، في مشهدٍ يصعب على العاقل أن يمرّ به مرورَ الكرام.

لم يكن الأمر مجرد تنفيذ إجراء. كان صدمةً إنسانيةً تقف أمامها المبررات عاجزةً عن الإقناع لأن للكرامة حدًّا لا يُعبَر، ولأن الناس في لحظات هشاشتهم يحتاجون إلى دولة تمسك بيدهم، لا إلى آلة تهدم ما فوق رؤوسهم.

 

نعلم جميعًا أن إحقاق الحق واجب، ولا خلاف في ذلك. غير أن الطريق إلى الحق ليس واحدًا. وبين طريق الجرافة وطريق الحوار، ثمة مساحة واسعة للحكمة مساحة تتسع للإشراك والإقناع والإمهال، وتضيق حين يُستبدل العقل بالقوة.

المواطن الضعيف لا يحتاج إلى من يُثبت له أن الدولة أقوى منه فهو يعلم ذلك. ما يحتاجه هو أن يشعر أن هذه القوة في خدمته لا في مواجهته.

 

إن مشاهد القوة حين تُوجَّه نحو الداخل، لا تُنتج الامتثال، بل تُنتج المرارة. ولا تبني الهيبة، بل تهدم الثقة. وتترك في النفوس أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تنتهي الجرافات من عملها أثرًا يُعيد تشكيل علاقة المواطن بدولته من جذورها.

والدولة التي تخسر ثقة مواطنيها، لا تعوّض هذه الخسارة بأي قرار، مهما كان صائبًا.

 

فالدولة تملك من الوسائل والرسائل ما يكفي لحفظ حقوقها وصون هيبتها، دون الحاجة إلى استعراض القسوة أمام من يفترض أنهم في كنفها. فالهيبة الحقيقية لا تُبنى بالخوف، بل بالعدل. ولا تُحفظ بالصدام، بل بالثقة.

 

لم يكن ما رأيته مجرد مشهد عابر يمكن تجاوزه بالنوم.

ما حزّ في نفسي حقاً كان أمرين اثنين لا أستطيع محوهما من ذاكرتي.

 

الأول: دموع ذلك المواطن وهو يحاول أن يشكو إلى من أبكاه.

أما الثاني فكان أشد وطأةً وأكثر إقلاقاً للنفس: 

حين رأيت ابناً يتجرأ بلا تردد على رفع يده على رجل أمن كان يضرب أباه. ! 

في تلك اللحظة لم أرَ مجرد ردة فعل غاضبة

 رأيت شيئاً أعمق وأخطر: 

مواطناً فقد ما يكبح جماحه، 

وهيبةً تتصدع في الوقت الذي كان يُفترض أن تُصان.

 

هنا ضاع أملان في آنٍ واحد 

أمل المواطن في دولته، وثقة الدولة في مواطنها. 

وكلاهما كان بالإمكان الحفاظ عليه، لو أن التعقل سبق الجرافة.​​​​​​​​​​​​​​​​

 

فالحكمة في مثل هذه اللحظات لا تعني التراجع عن القرار بل تعني اختيار الطريقة التي يُنفَّذ بها. طريقة تحفظ كرامة المواطن، وتُبقي للدولة صورتها التي يجب أن تظل راسخة في الوجدان العام.

 

تحيات المهندس

احمد ولد اعمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى