مانديلا وسجين “التبول”: حين يهزم التسامح غريزة الانتقام / بقلم : الأكاديمي العراقي ا.د كريم فرمان

في مذكراته وخلف جدران سجن “روبن آيلاند” الموحشة، لم يكتب نيلسون مانديلا فقط عن النضال السياسي، بل سطر دروساً في الطبيعة البشرية. ومن أغرب تلك القصص وأعمقها، قصة الحارس الذي اعتاد اضطهاد مانديلا ووصل به الأمر إلى التبول عليه وهو يعمل في حفر المحاجر، في محاولة لكسر كرامته وإذلاله. لكن مثل ومباديء مانديلا جسدها في اللقاء بعد النصر وأصبح حاكما لبلده الكبير جنوب أفريقيا.
مرت السنين، وخرج مانديلا من سجنه ليصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا. وفي مأدبة عشاء رسمية، طلب مانديلا من حراسه إحضار رجل معين ليجلس معه على طاولة واحدة. كان هذا الرجل هو نفسه الحارس الذي أهانه في السجن. لاحظ الحضور ارتجاف الرجل وشحوب وجهه؛ فقد كان يظن أن “ساعة الحساب” قد حانت، وأن الرئيس القوي المنتشي بالأنتصار والحكم سينتقم لكرامته المهدورة.
لماذا لم ينتقم مانديلا؟
بدلاً من العقاب، قدم مانديلا الطعام لخصمه القديم بابتسامة. وعندما سُئل عن سبب هذا التسامح مع شخص فعل به ما لا يُحتمل، قال كلمته الخالدة: “الثأر لا يبني دولة.. التسامح هو الذي يفعل”.
كان مانديلا يدرك أن الانتقام حلقة مفرغة؛ فلو رد الإساءة بمثلها، سيظل المجتمع منقسماً بين ظالم ومظلوم يتبادلان الأدوار. لقد آمن بأن القائد الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة والقابلية لغفران الخطأ الشخصي في سبيل تحقيق السلم العام وتماسك المجتمع.
الدرس المستفاد
لقد علمتنا مذكرات مانديلا أن القوة ليست في القدرة على البطش بالخصوم حين نتمكن منهم، بل في القدرة على السمو فوق الجراح. التسامح ليس ضعفاً، بل هو أقصى درجات الذكاء السياسي والوجداني، لأنه يحول “العدو” إلى “شريك” في الوطن، ويضع الحجر الأساس لدولة قائمة على التعايش لا على الأنقاض.
هذا تحليل سياسي أعمق حول كيفية تأثير هذا الموقف برسم هيئة المسائلة والعدالة التي تعاقب على اساس الدرجة الوظيفية وليس السلوك او التجاوزات التي يجب ان تكون ساحتها القضاء العادل ،الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا نجحت بينما تعسرت في العراق الجديد!! لم تصادر بيوت واملاك عراقيين وتحجب عنهم مرتباتهم التقاعدية بعد عقود من العمل الوظيفي مثلما منعت وثائق وجوازات السفر عن اغلبهم بحجة انهم من النظام السابق الك بكونو مواطنين عراقيين اصلاء لا مجنسين،اين كان يجب أن يخدم هؤلاء بلدهم سابقا هل يذهبون إلى كوكب المريخ؟
هذه القصة او الدرس من اكثر المواقف المؤثرة والتي تعكس فلسفة نيلسون مانديلا في بناء “أمة قوس قزح”. نضعها امام أنظار السيد رئيس الوزراء المكلف الشاب علي الزيدي المتعلم والذي راى العالم بعينه كيف يتقدم ، لعله يفكر من خارج صندوق الماضي المعبأ بالتشفي والانتقام.




