أخبار موريتانياإفريقي ومغاربيتقارير ودراسات

التصعيد والاحتواء.. ماذا وراء استدعاء موريتانيا لسفير المجلس العسكري المالي؟ (تحليل إخباري)

كتب : احمدولد الدوه/
تشهد العلاقات بين موريتانيا ومالي مرحلة جديدة من التوتر الحذر، بعد استدعاء نواكشوط لسفير المجلس العسكري المالي على خلفية التهديدات التي طالت الجالية الموريتانية في مالي، وما رافق ذلك من حملات إعلامية وتصريحات متشنجة، في سياق إقليمي بالغ التعقيد أمنياً وسياسياً.
فالخطوة الموريتانية لم تكن مجرد إجراء دبلوماسي بروتوكولي، بل حملت في مضمونها رسالة سياسية وأمنية واضحة إلى باماكو مفادها أن أمن المواطنين الموريتانيين خط أحمر، وأن نواكشوط ترفض أي استهداف أو تضييق على جاليتها تحت أي ذريعة. كما أنها تعكس في الوقت ذاته حرصاً موريتانياً على إبقاء الأزمة داخل الإطار الدبلوماسي، بعيداً عن الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة لا تخدم استقرار المنطقة.

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة أحداث متراكمة زادت من هشاشة العلاقة بين البلدين، من بينها اتهامات متبادلة بشأن الوضع الحدودي، وتوقيف موريتانيين في باماكو، إضافة إلى اتهامات مالية سابقة تحدثت عن تحركات مسلحة قرب الحدود المشتركة، وهو ما نفته موريتانيا بشدة مؤكدة سيادتها الكاملة على أراضيها.

أبعاد الأزمة.. الأمن أولاً

لا يمكن فهم التوتر الحالي بعيداً عن المشهد الأمني المضطرب في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي منذ سنوات حرباً مفتوحة ضد الجماعات المسلحة، وسط تراجع النفوذ الفرنسي وصعود الحضور الروسي، واعتماد المجلس العسكري في باماكو مقاربة أمنية أكثر تشدداً.

هذا الوضع جعل المناطق الحدودية مع موريتانيا شديدة الحساسية، خصوصاً مع تداخل القبائل، وحركة الرعاة والتجار، ووجود جاليات متبادلة بين البلدين. ولذلك فإن أي حادث أمني أو خطاب تحريضي سرعان ما يتحول إلى أزمة سياسية ودبلوماسية.
موريتانيا، التي نجحت خلال السنوات الماضية في الحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني، تنظر بقلق إلى احتمال انتقال الفوضى المالية نحو حدودها الشرقية، خاصة مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتزايد العمليات العسكرية في الشمال المالي. ولهذا تعمل نواكشوط على تحقيق توازن دقيق بين حماية حدودها وعدم الدخول في صدام مباشر مع باماكو.

الرسالة السياسية الموريتانية

استدعاء السفير المالي يمكن قراءته كرسالة ذات عدة مستويات:
أولاً: رسالة داخلية للرأي العام الموريتاني بأن الدولة تتابع أوضاع مواطنيها في الخارج ولن تتسامح مع أي تهديد يمسهم.

ثانياً: رسالة خارجية للمجلس العسكري في مالي بأن العلاقات بين البلدين لا يمكن أن تستمر في ظل الخطابات العدائية أو تحميل موريتانيا مسؤولية أزمات داخلية مالية.
ثالثاً: رسالة إقليمية ودولية تؤكد أن موريتانيا ما تزال متمسكة بالدبلوماسية وضبط النفس، رغم الضغوط الأمنية المتزايدة على حدودها.
ويبدو أن نواكشوط تدرك أن أي تصعيد ميداني مع باماكو ستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاقتصاد وحركة السكان، لذلك فضلت استخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي بدل الانجرار إلى مواجهة مباشرة.

مالي بين أزماتها الداخلية والخارجية:

أما المجلس العسكري في مالي، فيعيش وضعاً معقداً داخلياً بعد تصاعد الهجمات المسلحة والضغوط السياسية، وهو ما يدفعه أحياناً إلى تبني خطاب قومي متشدد وتوجيه الأنظار نحو “أطراف خارجية” لتفسير الإخفاقات الأمنية.
وقد شهدت مالي خلال الأشهر الأخيرة هجمات دامية وتوترات سياسية متزايدة، وسط مطالب داخلية بعودة المسار الدستوري وإنهاء المرحلة الانتقالية.

وفي ظل هذه الأجواء، تصبح الجاليات الأجنبية، ومن بينها الجالية الموريتانية، عرضة للتأثر بحالة الاحتقان الشعبي والإعلامي، وهو ما يفسر القلق المتزايد في نواكشوط.

بين التهدئة والتصعيد.. ماذا بعد؟

رغم حدة التوتر، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن الطرفين لا يرغبان في القطيعة أو المواجهة المباشرة، لأن المصالح المشتركة أكبر من الخلافات الظرفية.

فموريتانيا تحتاج إلى استقرار مالي لحماية حدودها وتأمين عمقها الاستراتيجي، ومالي بدورها تدرك أهمية الدور الموريتاني في الوساطات الإقليمية وفي الحفاظ على قنوات التواصل مع المحيط الدولي.
لكن استمرار الحملات الإعلامية والتحريض ضد الجالية الموريتانية قد يدفع العلاقات إلى مزيد من التوتر، خاصة إذا تكررت حوادث الاعتقال أو الاعتداء أو تم استغلال الملف سياسياً من قبل أطراف داخلية في البلدين.

احمدولد الدوه/ مدير تحرير في مجموعة الصدى للاعلام

-وفي المقابل، فإن نجاح القنوات الدبلوماسية والأمنية في احتواء الأزمة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق الأمني وضبط الحدود، خصوصاً أن التحدي الحقيقي الذي يواجه البلدين ليس الخلاف الثنائي، بل خطر الانفلات الأمني وتمدد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل بأكملها.
وفي النهاية، تبدو رسالة نواكشوط إلى باماكو واضحة: حماية المواطنين أولوية، والسيادة الوطنية غير قابلة للمساومة، لكن موريتانيا ما تزال تفضّل لغة العقل والتهدئة على منطق التصعيد والمواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى