شروط جزائرية للتطبيع الاقتصادي مع فرنسا رغم مساعي التقارب
شهدت علاقات البلدين سلسلة من الأزمات المتصاعدة بلغت ذروتها عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم فرنسا لمخطط الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، واصفاً إياه بـ”الأساس الوحيد” لحل النزاع
مسار متعرج من الأزمات
لم تكن السنوات الأخيرة سهلة في مسار العلاقات بين الجزائر وفرنسا، إذ شهدت سلسلة من الأزمات المتصاعدة بلغت ذروتها في فترات القطيعة الدبلوماسية. فمنذ صيف 2024، تدهورت العلاقات بشكل حاد، وأظهرت الجزائر مراراً استقلالية قرارها عبر إجراءات سيادية تعكس إصرارها على أن تكون العلاقة قائمة على الندية والمساواة بعيداً عن أي إملاءات أو وصاية.
ففي يوليو 2024، أثار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غضب الجزائر بإعلانه دعم مخطط الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، واصفاً إياه بـ”الأساس الوحيد” لحل النزاع. وهو الموقف الذي عدّته الجزائر “خطوة لم تكن أي حكومة فرنسية أخرى قبلها تعتقد أنها ضرورية”. إثر ذلك، سحبت الجزائر سفيرها من باريس في خطوة غير مسبوقة تعكس احتجاجاً قاطعاً، ولم يعد السفير إلى منصبه لأشهر طويلة.
وقبل ذلك بسنوات، شهدت العلاقات أزمة تأشيرات حادة، إذ قلصت فرنسا عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين، وهو ما اعتبرته الجزائر سياسة “عقاب جماعي”. وردت الجزائر بمبدأ المعاملة بالمثل، مستدعية القائم بأعمال سفارة فرنسا في 27 أغسطس 2025 احتجاجاً على بيان اعتبرته انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية، مؤكدة أن قرارها “جاء بعد قرار فرنسي مماثل”. كما لوحت بـ”نقض” الاتفاق الثنائي حول إعفاء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية من التأشيرات.
وفي أبريل 2025، تأزمت العلاقات أكثر على خلفية قضية الناشط الجزائري أمير بوخرص (المعروف بـ”أمير ديزاد”)، إذ أوقفت السلطات القضائية الفرنسية موظفاً قنصلياً جزائرياً وأودعته الحبس المؤقت دون إشعار مسبق عبر القنوات الدبلوماسية، وهو ما اعتبرته الجزائر “خرقاً واضحاً للامتيازات والحصانات المرتبطة بمهامه”. استدعت الجزائر السفير الفرنسي احتجاجاً شديداً، وطالبت بالإفراج الفوري عن موظفها القنصلي. ثم اتخذت قراراً سيادياً بطرد 12 موظفاً في السفارة الفرنسية، معتبرة إياهم “أشخاصاً غير مرغوب فيهم” وإلزامهم بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة. وردت فرنسا بالمثل، فأعلنت استدعاء سفيرها لدى الجزائر “للتشاور” وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. وهذه ليست المرة الأولى التي تستدعي فيها الجزائر ممثلي باريس احتجاجاً على ممارسات ترى فيها انتقاصاً من سيادتها وكرامة مواطنيها؛ فقد استدعت السفير الفرنسي في يناير 2025 أيضاً للتنديد بـ”المعاملة المهينة” التي تعرض لها مسافرون جزائريون في مطارات باريس.
وإلى جانب هذه الأزمات، ظل ملف الذاكرة حاضرا باستمرار. فمجازر 8 مايو 1945 في سطيف وقالمة وخراطة، والتي راح ضحيتها أكثر من 45 ألف قتيل، تمثل جرحاً غائراً في العلاقات. والجزائر تتمسك بهذا الملف وتعتبره “جرائم إبادة لا تسقط بالتقادم”، وتصر على أن أي تطبيع حقيقي يجب أن يمر عبر الاعتراف الكامل بجرائم الاستعمار وبناء علاقة خالية من الأحقاد والتجاوزات.
أما ملف الهجرة، فكان ساحة توتر إضافية، إذ توقفت عمليات ترحيل الجزائريين غير النظاميين من فرنسا لنحو عام بسبب تدهور العلاقات، قبل أن تستأنفها باريس مؤخراً بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر.
شروط جزائرية للتطبيع الاقتصادي
في هذا السياق من الأزمات المتتالية والمبادئ الراسخة، تبدو عودة العلاقات الاقتصادية مرهونة بشروط جزائرية واضحة، تضعها الدولة التي تعلم جيداً أنها تمتلك مؤهلات استراتيجية وطاقوية ومعدنية كبيرة تجعلها طرفاً محورياً في المعادلات الإقليمية والدولية.
أولاً: الاحترام الكامل للسيادة الجزائرية، في كل الملفات السياسية دون استثناء، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية وملف الذاكرة.
ثانياً: التعامل بالندية والمساواة، وليس بنظرة استعلائية تعيد إنتاج تركات العقلية الاستعمارية. الجزائر ترفض أي وصاية عليها، كما ترفض أي تدخل في شؤونها الداخلية.
ثالثاً: التخلي التام عن الأحقاد التاريخية وعن أي مواقف تمس بكرامة الشعب الجزائري، بما في ذلك الاعتراف الكامل بجرائم الاستعمار وجبر الضرر المعنوي.
رابعاً: احترام مبدأ المعاملة بالمثل في كل المجالات، سواء في ملف التأشيرات أو في التعامل مع الدبلوماسيين والموظفين القنصليين وفق الأعراف الدولية.
وتؤكد الجزائر أنها لم تبقَ مكتوفة الأيدي أثناء سنوات التوتر، بل عملت على تنويع شراكاتها وتعزيز التعاون مع دول أخرى على غرار إيطاليا وتركيا والصين وإسبانيا، ما أدى إلى تراجع نسبي في الحضور الفرنسي بالاقتصاد الجزائري. ولعل خروج شركات كبرى مثل “سويز” و”آر آي تي بي” وبنك “كريدي أغريكول”، إضافة إلى تجميد نشاط مصنع “رينو” وتوقف شبه كامل للواردات الزراعية من فرنسا، خير دليل على أن الجزائر لا تتردد في اتخاذ قرارات سيادية عندما تشعر بأن مصالحها العليا ليست محط احترام.
العالم تغير، والجزائر تغيرت. هي اليوم شديدة الحرص على سيادتها ومصالحها، وماضية في طريقها نحو بناء اقتصاد متنوع الشركاء. لن يكون تطبيع اقتصادي مع فرنسا إلا بشروط تضمن الاحترام والمصالح المتبادلة، بعيداً عن أي وصاية أو إملاءات. ويتوقف نجاح أي تقارب مستقبلي على قدرة باريس على فهم هذه المعادلة الجديدة والخروج فعلياً من مستنقعات “الجزائر الفرنسية”، إذا كانت جادة حقاً في بناء علاقة مستقرة مع بلد يشكل عمقاً استراتيجياً في المتوسط وإفريقيا.

شهدت علاقات البلدين سلسلة من الأزمات المتصاعدة بلغت ذروتها عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم فرنسا لمخطط الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، واصفاً إياه بـ”الأساس الوحيد” لحل النزاع


