الأخبارالصدى الثقافيقضايا المجتمع

كيمياء الوجود: لماذا لا يحتقر العارفون شيئاً؟ / كتب ا.د كريم فرمان 

لا تحتقر أحدا او شيئا فإن الله عندما خلقه لم يحتقره. ابن عربي

المصدر : الكاتب

كنت في الأعوام التي مضت كلما زرت دمشق ادلف إلى زيارة قبر ابن عربي رحمه الله لقراءة الفاتحة والتبصر بما تركه لنا من علم وافر وحكمة بالغة.

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

في زمنٍ تصاعدت فيه نبرات الاستعلاء، وبات البشر يصنفون بعضهم بعضاً وفق حسابات مادية ضيقة، تأتينا من عمق التاريخ الروحاني صيحة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي لتوقظ القلوب الغافلة. عبارة تختزل فلسفة الوجود بأكملها وتضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة ذواتنا: “لا تحتقر أحداً أو شيئاً، فالله حين خلقه لم يحتقره”.

سر الإيجاد ونظرة الرضا الإلهي

رحلة التأمل الصوفي تبدأ من نقطة واحدة: لا شيء يُخلق عبثاً. عندما أوجد الله الكائنات — من المجرات الفسيحة إلى ذرة الغبار العالقة في الضوء — لم يخلقها التفاتاً عابراً، بل أودع فيها سراً من أسرار حكمته. كيف يحتقر الإنسان مخلوقاً نال شرف الإيجاد بكلمة “كُن” الإلهية؟

في النظرة الصوفية، كل كائن في الكون هو كلمة من كلمات الله، واحتقار الصنعة هو استهانة خفية بالصانع. وكما يعبر المتصوفة، فإن تجلي الخالق يظهر في كل ذرة، وهو ما صاغه الحلاج يوماً بقوله:

رَأيتُ رَبّي بِعَينِ قَلبي .. فَقُلتُ مَن أَنتَ قالَ أَنتَ
وَلَيسَ لِلأَينِ مِنكَ أَينٌ .. وَلَيسَ أَينٌ بِحَيثُ أَنتَ

العارف بالله لا يرى في الكون “آخراً” غريباً عنه، بل يرى شريكاً في التسبيح، فكل الوجود يفيض بالنور الإلهي ولا يصح لعينٍ بصرية أن تزدريه.

احترام “الآخر”: قلب يتسع للوجود

حين تبتعد عن الاحتقار وتتبنى الرؤية الروحية، يتسع قلبك ليتسع لكل فكرة، وكل دين، وكل لون. احترام الإنسان الآخر — مهما اختلف معك أو عنك — ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو اعتراف بالنفخة الإلهية التي بداخله.

وهنا نجد الشيخ ابن عربي نفسه يترجم هذا الانفتاح الروحي المطلق في ديوانه “ترجمان الأشواق” بأبياته الشهيرة التي تؤكد أن الحب والاحترام هما أصل الوجود:

لَقَد صارَ قَلبي قابِلاً كُلَّ صورَةٍ .. فَمَرعىً لِغِزلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبانِ
وَبَيتٌ لِأَوثانٍ وَكَعبَةُ طائِفٍ .. وَأَلواحُ تَوراةٍ وَمُصحَفُ قُرآنِ
أَدينُ بِدَينِ الحُبِّ أَنّى تَوَجَّهَت .. رَكائِبُهُ فَالحُبُّ ديني وَإيماني

الآخر ليس عدواً لتميزك، بل هو مرآة تكمل وعيك. عندما تكف عن إصدار الأحكام والتعالي على الناس، تنكشف عن عينيك غشاوة “الأنا” المزيفة.

 ما وراء البشر: حتى الحجر يسبح

الحكمة الصوفية لا تقف عند حدود بني البشر. الشيخ ابن عربي يمد بساط الاحترام ليشمل “كل شيء”؛ الحيوان الصامت، الشجرة المورقة، وحتى الجماد الذي نظنه بلا حراك.
حين يمر السالك في هذا الدرب بمخلوق ضعيف، لا يرى فيه مجرد كائن أدنى منه في السلم البيولوجي، بل يرى فيه آية ناطقة بعظمة الله، متمثلاً قول الشاعر:

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ .. تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ

العظة الروحية هنا تجعلنا نتعامل مع البيئة والكائنات برفق المحب، لا ببطش المستهلك المستعلي. فمن يمتلئ قلبه بالأنوار، يستحي أن يرى نفسه خيراً من أي شيء حوله، لأن الجميع في ساحة الإيجاد سواء.
جرعة النور للمستقبل

إن ترياق الخلاص من صراعات عالمنا المعاصر يكمن في إحياء هذه اللمسة الروحية. الاحترام الصوفي ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة والوعي؛ لأنه يربطك بالأصل المشترك لكل الكائنات.

عندما تغلق هذا المقال وتخرج إلى عالمك، انظر إلى أول شخص تلتقي به، أو أول كائن تقع عينك عليه، وتذكر: “الله لم يحتقره حين خلقه”، فكيف تجرؤ أنت على ذلك؟ * كاتب واكاديمي من العراق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى