الأخبارالصدى الثقافي

زفراتٌ فوقَ مَرمَرِ الخِلافة: حينَ بَكَتْ «الزَّهْرَاءُ» مَجْدَ النَّاصِرِ وَحُبَّ ابْنِ زَيْدُون / كتب ا.د كريم فرمان 

عبد الرحمن الثالث يستقبل السفراء والوفود في قصر الزهراء

تُعد لوحة للفنان ديونيس بايكسيراس (Dionís Baixeras) المرسومة عام 1885، والمعروفة باسم “عبد الرحمن الثالث يستقبل السفير في بلاط قرطبة”، من أبرز الشواهد البصرية .

المصدر : الكاتب /

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.

على أطلال القرطبيّة الغابرة، حيث تنام مدينة الزهراء تحت دثار التاريخ، وقفتُ قبل سنوات أستنطقُ حجارةً صامتة كانت يوماً تضجّ بالحياة، والرفعة، والجمال. هناك، بين أعمدة الرخام المنكسرة وبقايا القصور التي تآكلت أطرافها، لم يكن المكان مجرد أثرٍ ساهٍ، بل كان مسرحاً لقصة وجدانية خالدة، اختصرت مأساة العشق، والسياسة، والاغتراب الأندلسي.

في هذا الفضاء المهيب، تراءى لي طيف ابن زيدون، شاعر الأندلس وعاشقها الأكبر، وهو يقف على هذه التلال بعد أن أُبعد عنها. لقد نجح الوشاة والحساد في حياكة دسائسهم، ففرقوا بينه وبين معشوقته الملهمة، الأميرة ولادة بنت المستكفي. لم يكن النفي مجرد إبعادٍ مكاني، بل كان تمزيقاً لروحٍ تعلّقت بقلب قرطبة النابض.

حين زرتُ الزهراء، وتأملتُ عظمتها في عصرها الذهبي، قادتني الخطى إلى قاعة عبد الرحمن الناصر (المجلس المؤنس). تلك القاعة التي كانت تختزل كبرياء الخلافة الأموية؛ بجدرانها المحلاة بالزخارف الجصية الدقيقة، وأقواسها الحدوية المتبادلة بين اللونين الأحمر والأبيض، وسقفها الذي كان يوماً مرصعاً بالذهب واللازورد ليعكس ضوء الشموع كأنه سماء ذات بروج. في هذه القاعة، حيث كان الخليفة يستقبل الملوك والوفود وسط بحيرات المرمر التي تعكس صفاء السلطان، امتزج ترف الحكم بعبقرية الفن. لكن ابن زيدون، في لحظة اغترابه، لم يرَ في هذا البهاء إلا مرآة لشوقه المستعر، وكأن جلال القاعة أضحى شاهداً على عظم انكساره.

التفتَ الشاعر إلى الطبيعة الساحرة المحيطة بالقصر، فلم تزدْه إلا شجناً، فانفجرت قريحته برائعته الخالدة:

إِني ذَكَرتُكِ بِالزَهراءِ مُشتاقا * وَالأُفقُ طَلقٌ وَوَجهُ الأَرضِ قَد راقا
وَلِلنَسيمِ اِعتِلالٌ في أَصائِلِهِ * كَأَنَّما رَقَّ لي فَاِعتَلَّ إِشفاقا

 

لقد استبدّ الحنين بالشاعر حتى تماهت الطبيعة مع عواطفه؛ فـ “النسيم المعتل” في وقت الأصيل لم يكن لديه مجرد ظاهرة طبيعية، بل كائنٌ حيّ يرقّ لحاله، ويشفق على قلبه المنكسر.
ثم يتعمق ابن زيدون في بث لواعجه مستحضراً تفاصيل المكان التي تحولت في عينه إلى أدوات تذكير بـ “ولادة”، فيقول في ذات القصيدة:

نَفسي لِفَدائِكِ مِن مَحزونَةٍ لَفَظَت * نَفساً لَو أَنَّهُ نِيطَ بِالدُنيا لَأَحراقا
وَالرَروضُ عَن صَنيعِ المَاءِ ضاحِكَةٌ * كَمَا شَقَقتَ عَنِ الثَّغْرِ الأَطْوَاقَا

 

هنا نلمح تحليلاً نفسياً بليغاً؛ فالشاعر يعيش تناقضاً حاداً بين باطنه المحترق وشوقه الذي لو لامس الدنيا لأحرقها، وبين ظاهره المحاط بروضٍ “يضحك” مستبشراً بقطرات الماء. هذا الروض الضاحك لا يثير في نفسه الفرح، بل يذكره فوراً بابتسامة ولادة وثغرها العذب، وكأن كل جمال خارجي في الزهراء يرتد إلى الداخل ليصبح سوطاً يجلد قلبه المشتاق.
ثم يصل في استعطافه ووفائه إلى قمة التجرد حين يقول:

لا سَكَنَ اللَهُ قَلباً عَن ذِكرِكُم سَلا * فَلَم يَقُل عَرَضاً لِلشَوقِ حَسناقا
لَو نالَ فِكري إِلَيكِ النَجْوُ قَرَّبَنا * لَصارَ نَجْوُنا العالي لَنا سَاقا

 

إن الشاعر يُشهد الكون على أن قلبه لا يعرف السلوّ أو النسيان، متمنياً لنفسه العذاب والاضطراب إن هو غفل عن هذا الحب. إنه يحول الفكر والنجوى الروحية إلى رسول مادي يقرب المسافات التي باعدتها مؤامرات الحساد.

إن لقصة الأندلس، وتحديداً لحظة الوقوف على أطلالها وقاعاتها الشامخة كقاعة الناصر، أثراً نفسياً عميقاً يختلج في مشاعر كل من يزورها. هي ليست مجرد سياحة في المكان، بل هي رحلة دمعية في الزمان. يمتزج فيها انبهار الحضارة بحسرة الزوال، وجمال العمران بمرارة الفقد. كل حجر في الزهراء يروي حكاية مجدٍ مضى، ويوقظ في نفس الزائر شجناً غامضاً، كأننا جميعاً ننتمي إلى ذلك الفردوس المفقود، ونبكي مع ابن زيدون غياب “ولادة” وغياب الأندلس معاً.

ومع خيوط الشفق التي تلملم أذيالها عن بقايا تلك السواري، تتبدى للواقف على أطلال الزهراء حتمية فلسفية تتجاوز لوعة الحب وانكسار الهوى؛ هي فلسفة النشوء والاندثار التي تحكم حركة التاريخ. إن هذه الحجارة الصامتة تلخص دورة حياة المدن والحضارات ككائنات حية؛ تولد من رحم الطموح والقوة، وتترعرع في مهد الترف والجمال، ثم تذوي حين تتآكل من الداخل بصراعات البشر وأهوائهم.

إن العبرة الكامنة بين ثنايا الزهراء تخبرنا أن العمران، مهما بلغ من العظمة والمنعة كقاعة الناصر، يظل جسداً بلا روح إذا غابت عنه وحدة الهدف وقيم العدالة التي تبنيه. لقد شُيدت المدن لتكون شواهد على خلود الإنسان، فإذا بها تنقلب شواهد على فنائه. وحين نقف اليوم أمام هذا الفردوس المفقود، ندرك أن المدن لا تموت بالمعارك وحدها، بل تموت حين تصبح قصورها مجرد جدران باردة تطرد الحب، وتفسح المجال للوشاة ليمزقوا نسيجها الإنساني. ويبقى بيت ابن زيدون شاهداً على أن الكلمة الصادقة والعاطفة النبيلة هما الأثر الوحيد الذي لم تتمكن عاديات الزمن من إطفاء بريقه، ففنيت دولة الناصر، وبقيت قصيدة العاشق حية تنبض بالخلود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى