الأخبارمقالات و تحليلات

مذكرات دبلوماسية : “الصدى” تنفرد بنشر كواليس الساعات الأخيرة لقرار (598) وإنهاء حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران

الصدى – نيويورك – وثائق تاريخية / خاص /

د مظفر عبدالله الامين / مستشار بعثة العراق لدى الأمم المتحدة آنذاك

تنــــــويـــــه المحــــــــــــــــرر:  تنفرد #الصدى حصريا بنشر تفاصيل اللحظات والايام التي سبقت صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 بوقف إطلاق النار بين العراق وايران وبعثها خصيصا للصدى الاستاذ الدكتور كريم فرمان.

مقال خاص و حصري للصدى /

في الثامن من آب/أغسطس 1988، حبست العواصم الدولية أنفاسها وهي تترقب خط النهاية لواحد من أطول الصراعات الإقليمية في القرن العشرين. ومن قلب المبنى الزجاجي للأمم المتحدة في نيويورك، وتحديداً في الطابق الثامن والثلاثين، دارت كواليس دبلوماسية معقدة قادها رجال الظل لحظة بلحظة.

 

يروي البروفيسور مظفر الأمين، مستشار بعثة العراق لدى الأمم المتحدة آنذاك، شهادته الحية على تلك اللحظات التاريخية والإنسانية التي سبقت إعلان موافقة إيران على قرار مجلس الأمن رقم (598)، والجهود الدبلوماسية العربية التي أسهمت في إنضاج هذا التحول التاريخي.

 

دبلوماسية “الأطراف الخمسة”.. شهر من المفاوضات بلا لقاء

لم يكن قرار وقف إطلاق النار وليد مصادفة، بل سبقه ماراثون تفاوضي شاق دام نحو شهر كامل، دارت عجلته بين خمسة أطراف رئيسية تعمل وتتباحث بشكل متواصل خلف الكواليس دون أن تلتقي وجهاً لوجه في قاعة واحدة

 

  • الطرف الأول تمثل في الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز ديكييار ومساعديه

 

  • والطرف الثاني قاده الأمير سعود الفيصل (وزير الخارجية السعودي) والأمير بندر بن سلطان (سفير السعودية في واشنطن) من مقر إقامتهما في فندق “والدورف أستوريا” بنيويورك.

 

  • أما الطرف الثالث فكان القيادة العراقية في بغداد ممثلة بالرئيس الراحل صدام حسين ووزير الخارجية طارق عزيز

 

ا.د كريم فرمان / كاتب عراقي اكاديمي واستاذ القانون والنظم السياسية في جامعة الأخوين.افران المغرب.سابقا

 بينما تولى السفير عصمت كتاني والبروفيسور مظفر الأمين إدارة الطرف الرابع في نيويورك، لينتهي الخط بالطرف الخامس في طهران ممثلاً بوزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي وحكومته.

 

وعن تعقيد تلك المرحلة، يوضح البروفيسور مظفر الأمين هندسة هذه اللقاءات قائلاً: “كانت آلية معقدة وطويلة في التعامل مع الإيرانيين؛ إذ كان ولايتي يبعث بنص رسالة أولية إلى الأمين العام، ليقوم الأخير بإرسالها إلى الأمير سعود الفيصل. كنا نجتمع (الأستاذ عصمت وأنا) مع الأمير سعود وبحضور الأمير بندر لمناقشة النص، ثم نرسل المقترحات إلى بغداد لننتظر ملاحظات الرئيس صدام حسين وطارق عزيز“.

ويضيف الأمين: “بعد وصول الرد من بغداد، نعود للاجتماع مع سعود وبندر لتسليمهم الموقف العراقي، وبدوره يأخذ الأمير سعود نقاط اعتراضنا ويناقشها بقوة مع الأمين العام، والذي يقوم بنقلها إلى ولايتي لإبلاغه بأن رسالته الأولى غير مقبولة مطلعاً إياه على الملاحظات العراقية. وبعد فترة، يبعث ولايتي بمقترحات جديدة تحمل بعض التغيير الطفيف، لتبدأ دورة الرسالة الجديدة من الصفر كما فعلنا مع الأولى“.

 

ضغط سعودي مكثف لانتزاع الموافقة

خلال تلك الأسابيع الحرجة، تحول فندق “والدورف أستوريا” إلى غرفة عمليات دبلوماسية لا تنام. ويشير الأمين إلى الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في حسم المفاوضات، حيث واصل الأمير سعود الفيصل بالتعاون مع الأمير بندر بن سلطان الضغط بشكل قوي ومكثف على الأمين العام للأمم المتحدة ديكييار، ليدفعه بدور رئيسي للضغط على الحكومة الإيرانية التي كان واضحاً للعيان أنها تخسر الحرب ميدانياً، واستمرت هذه الاجتماعات الليلية المنهكة بلا نوم، حتى نضجت الصياغة واستُلمت الرسالة الإيرانية الأخيرة والنهائية يوم 8/8/1988، والتي حظيت بالموافقة الرسمية.

 

الاتصال المباغت ورسالة الطابق الـ 38

وفي صباح ذلك اليوم التاريخي 8 آب، وفي تمام الساعة الثامنة صباحاً، تلقى البروفيسور مظفر الأمين اتصالاً عاجلاً من السفير عصمت كتاني، الذي كان يتواجد مؤقتاً خارج نيويورك، يطلب منه التوجه الفوري لاستلام الرسالة الأخيرة المتفق عليها.

 

يتذكر الأمين تلك اللحظات: “صعدت إلى الطابق الثامن والثلاثين، حيث مقر الأمين العام الذي استقبلني بابتهاج ملحوظ وسلمني الملف”. وفي طريق العودة عبر المصعد، فتح المستشار العراقي الملف ليرى الوثيقة الموقعة من علي أكبر ولايتي، والتي تعلن فيها طهران رسمياً القبول بالقرار الأممي رقم (598) القاضي بوقف إطلاق النار وبنود إنهاء الحرب الطويلة.

 

حان الوقت لوقف حمام الدم

حين فتحت أبواب المصعد في الطابق الأرضي، واجه الأمين مشهداً مباغتاً: أكثر من 100 صحفي ووكالة أنباء عالمية في حالة ترقب. وأمام سيل الأسئلة المنهمرة، أدلى الأمين بعبارته الشهيرة التي اختصرت المشهد وتصدرت وسائل الإعلام العالمية: “لقد حان الوقت لوقف حمام الدم”، قبل أن يتوجه مسرعاً إلى مقر الممثلية العراقية لإبراق الرسالة إلى بغداد.

 

 ساعتان من حبس الأنفاس حتى بيان النصر

مع وصول السفير عصمت كتاني إلى الممثلية، اتصل طارق عزيز موجهاً البعثة بالانتظار وعدم اتخاذ أي تحرك حتى تنتهي القيادة في بغداد من دراسة الرسالة الإيرانية الأخيرة، حيث كان الأمين العام يطلب موافقة العراق الرسمية لحضور جلسة مجلس الأمن.

 

مرت ساعتان من الانتظار العصيب والترقب المشوب باللهفة، حتى حسم اتصال طارق عزيز الموقف حاملاً الموافقة العراقية الرسمية. في تلك اللحظة الإنسانية المؤثرة، امتزجت المشاعر باحتضان متبادل بالدموع بين كتاني والأمين فرحاً بانتهاء الحرب، وتم إبلاغ الأمين العام رسمياً بالموافقة العراقية، لتنعقد الجلسة عصراً ويُعلن وقف إطلاق النار رسمياً فيما أطلق عليه العراقيون آنذاك “يوم النصر .        

المصدر : ا.د كريم فرمان نقلا عن محادثة هاتفية مع صديقه العزيز البرفسور مظفر الأمين جرت اليوم 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى